|
أظهرت القيامة عدل الله ورحمته في
حكمه للعالم ، هنا طفل صغير لا
تكاد عيناه تكتحلان بنور الوجود
حتى يغمضهما إلى الأبد ، وهنا فتى
في عنفوان شبابه وريعان صباه
تنطفئ في لحظة شعلة حياته وتذوى
نضارة شبابه .. بينما هنالك رجل
شيخ في التسعين من عمره يطلب
الموت فلا يجده . وربما هنا بار
يتألم وإلى جانبه شرير يتنعم .
فأين عدل الله ورحمته في عمل كهذا
.. نعم أن عملاً كهذا لا نقدر أن
نرى فيه عدلاً ولا رحمة فيما لو
كانت هذه الحياة القصيرة هي كل
شيء في هذا الوجود ، ولكن شكراً
للفادي من أجل قيامته التي أكدت
لنا أن بعد هذه الحياة القصيرة
حياة أخرى أمجد منها وأكثر سمواً
تدوم إلى الأبد ويكافئ فيها البار
ويجازي الخاطئ الأثيم ، حياة
خالية من الألم والحزن والبكاء
.فالألم في هذه الحياة ما هو إلا
أزميل نحات يهذب حياتنا ويعدها
لبناء الله الروحي في ملكوته
السماوي ، إنه مصقلة تصقل بها
جوهرة حياتنا لتصبح لائقة لتاج
الملك . إن تأثير القيامة في
النفوس عجيب جداً ففي قلب أفريقيا
هناك لا يخطر في قلب وطني أن
النفس فانية ولا يوجد من ينكر
الخلود والأفريقيون يقولون أن
الميت لا يموت فما الجسد إلا كوخ
للنفس لذلك لا يقولون فلان مات بل
إنه ( رحل ) أو ( وصل ) وفي صعيد
مصر يطلق على المدافن أسم (
المنامة ) ولا نقول على المتوفى
لقب ( الفقيد ) بل الراحل أو
المنتقل .
من بركة الله علي البشر أنه منحهم
أعياداً
…وجعل
هذه الأعياد أيام فرح ومحافل
مقدسة …
عملاً من الأعمال لا يعملون فيها
. إنها أيام تفرغ للرب واعتكاف
(لا 23: 36)
…
إن الله يريد لأولاده أن يفرحوا ،
و لكن فرحاً مقدساً. و عاده ما
يكون لنا في هذه الأعياد ذكريات.
ففي عيد القيامه المجيد منذ عده
سنوات قالت زوجتي العيد علي
الأبواب . فماذا فعلت من أجل هذا
اليوم المجيد؟ قلت لها : أقول يا
رب ! سكتت عدة أيام و سألتني من
جديد : العيد زحف و لابد و انك
تدخر لنا مفاجأة جميلة ؟ أسندت
رأسي علي يدي و قلت : أقول يا رب!
و ثارت زوجتي من طول بالي و راحت
تقلق راحتي بالعيد و مطالب العيد
! و أعود أنا فأقول لها : أقول يا
رب ! وتفقد زوجتي هدوءها و تقول:
و ماذا تعني بقولك : يا رب ؟
أجبتها أقول يا رب أفتح عيني
زوجتي علي حقيقة حالنا فتعرف أننا
من ذوي الدخل المحدود و نعيش
بمرتبنا الشهري في إطار معين ، لا
نستطيع معه تبذيراً فيما لا فائدة
منه. أقول يا رب البصيرة لدينا
نحن البشر تحتاج إلي نورك ليضئ
ظلامها ، فنفهم أن الأعياد ليست
في الطعام و الشراب و الكساء
واللهو و إنما الأعياد أفراح
تتبادلها القلوب في مناسبات رفيعة
لها تاريخها وقدسيتها و حاشا لهذه
الأعياد ان تتخللها المظاهر
الكاذبة في الكحك و أكل اللحم!
أقول يا رب أعطني من رشدك فكرة
جميلة أنفذها في العيد فأسعد بها
نفسي وزوجتي و أولادي و أرضي بها
ربي و ضميري .أقول يا رب .أعطني
الصحة و السكينة وهدوء البال و
راحة الضمير. وانعم لي بالصلاحية
في أولادي و التقوىفي زوجتي !
أقول يا رب أنصر الحق علي الباطل
و أكسبني الحصانةالتي تسندني و
أنر لي طريقك لكي أخطو فيه
بإرادتك .أقول يا رب لا تحرم مني
أولادي وأكفني شر التجربة المهلكة
واعطني القدرة أن أعطى من القليل
الذي أملكه لأسعد بقدر طاقتي
بشراً مثلي و أكفني شر الحاجة ،
سوى حاجتي إليك ! و عندما انتهيت
من دعائي وجدت زوجتي تجلس إلي
جواري ساهمة شاخصة متهللة و عندما
التقت عينانا ربت علي كتفها وقلت:
من اجل هذا أقول يا رب !. فابتسمت
و هي تدمع و قالت في كلمات مخنوقة
: زدني إيضاحاً عما تقصد
قلت فلنذهب في العيد معا كأسره
إلي بيت الأيتام القريب منا ،
نعيش فيه يوماً مع الأطفال الذين
حرموا نعمة الأب أو الأم أو
الاثنين معاً.. و دقت أجراس
الكنيسة في العيد ! و استعددنا
للرحلة و في الصباح كنت في ( بيت
الأيتام) القريب مع زوجتي و
أولادي ، نحمل سلة كبيرة ، و دهشت
فلم أكن هناك لوحدي إذ وجدت
كثيرين غيري سلكوا نفس الطريق حتى
لم أجد مكاناَ في البيت أجلس فيه
سوى قطعة من أرض الحديقة المزروعة
بالنبات الأخضر الجميل ، جلست
فيها و تركت أولادي و زوجتي مع
أولاد الملجأ و أولاد الزائرين
مثلي يمرحون ..
لقد قضيت العيد ضيفاً علي ( السيد
المسيح) و ما اجمل ضيافته و
اكرمها ! و ما أسعدني في الدنيا
شئ مثل ما أسعدني من لقاء (أخوة
المسيح الصغار) بأولادي الصغار !
في يوم العيد و ما فرحت عمري بقدر
ما فرحت في موكب المريمات المتمثل
في (المشرفات) علي الصغار و هن
يستقبلن زوجتي و أولادي ، و ما
قنعت بقدر ما أقنعني رضاء زوجتي و
فرحها بهذا العيد الجميل الممتع .
من اجل هذا قلت في العيد: يا رب
لا تحرمني هذه المتعة كل عيد !
المعلم ابراهيم الجوهري
كأن المعلم ابراهيم الجوهري يشغل
المنصب الأول بعد محمد علي باشا ,
و عاد ليله العيد مسرورا بعد ان
حضر القداس الألهي في الكنيسه ,
فاذا به يباغت ان زوجته قد اطفأت
الأنوار , و لم تعد له العشاء
جريا علي عادتها في مثل هذه
المناسبات السعيده . فلما سألها
عن السبب عرفته ان زوج جارتها قبض
عليه بعد صلاه الظهر و انه محبوس
ظلما. فكيف تعيد و جارتها في غم و
حزن علي زوجها . فما كان منه الا
ان قام و ذهب مسرعا الي السجن
واستخدم نفوذه واخرجه بعد ان تأكد
من أنه غير مذنب واخيرا عاد فرحا
و مسرورا و كان من عادته في صبيحه
يوم العيد ان يذهب مبكرا لمقابله
قداسه البابا , غير انه في هذا
اليوم ذهب متأخرا , لأنه استيقظ
متأخرا اذ قضي الليل ساهرا, فلما
سأله قداسه البابا عن سبب تأخره .
أضطر ان يفضي له . و كان ضمن
الحاضرين المعلم غالي و كان من
اصحاب المناصب الكبري في الدوله
في ذلك الوقت . و ما ان سمع ما
عمله المعلم الجوهري مع جاره حتي
عتب عليه اذ لم يصحبه معه حتي
ينال بركه من الله . و هنا تدخل
قداسه البابا و حل المشكله حلا
صائبا اذ قال : ان المعلم الجوهري
أخرج الرجل المظلوم من السجن , و
انت يا معلم غالي عليك بتوظيفه ,
و فعلا نفذ الفكره , و هكذا كان
الأقباط يتسارعون لأدخال السرور
الي قلوب الآخرين و خاصه الأرامل
و الأيتام و المحتاجين . و
يسارعون الي مد يد المساعده الي
كل ابناء الأمه دون اعتبار للدين
او اللون او الجنس . مؤمنين انه
هكذا أحب الله العالم . العالم
كله .
فيما هو يبتسم بخبث
تقول أسطورة فارسية أن الأرض وجدت
قاحلة لا شجر فيها ولا نبات . وقد
أرسل ملاك خاص ليبذر البذور
المنتقاه في كل بقعه على وجه
الأرض وعندما شاهد الشيطان البذور
على الأرض . صمم على إتلافها فعمد
إلى طمرها في الأرض وسأل الشمس
والمطر أن يساعداه على إتلاف
الحبوب المبذورة . ولكن فيما هو
يبتسم بخبث على الانتصار الذي ظهر
كأنه حليفاً له طلعت تلك البذور
المغطاة بالتراب وملأت وجه الأرض
بالأعشاب والأزهار والجمال الذي
لم يحلم بمثله من قبل . وتبع ذلك
صوت من السماء يقول : يا جاهل .
أن ما تزرعه لا ينموا ما لم يمت
أولاً .
إن موت المسيح حسب لدى أعدائه
اليهود نهاية له ولرسالته . ولكن
الحقيقة أن القبر كان الخطوة
الضرورية للحصول على الانتصار
المجيد . انتصار القيامة .
خجل الرجل وبقى صامتاً
دخل مرة شيخ محترم على دون بوسكو
اللاهوتي الإيطالي الشهير وسأله
عن الدين والخالق ورأى اللاهوتي
أن الرجل خال من المعرفة عن
الخالق . فقال أنك تنكر الخالق
فما فكرك عن الآخرة ؟ فقال الشيخ
: لا أدري ، وعندما تأتي سأفكر
فيها . فقال دون بوسكو : إن
الحياة الحاضرة ليست لك بكل تأكيد
والحياة الأخرى لا تريد أن تفكر
فيها ، فإذاً ما هي آمالك في هذه
الحياة ؟ فهل أنت والحيوان واحد ؟
فخجل الرجل وبقى صامتاً مدة ثم
رفع رأسه ووعده بأنه سيفكر في
سؤاله ثم يعود إليه وأعطاه بطاقته
، ولما تأمل بوسكو فيها وجد أنه
فيكتور هيجور المشهور .. الذي بر
بوعده وجاء بعد أيام يشكره بحرارة
لأنه كان سبب إيمانه بالله
والخلود واعداً أنه سيحيا ويموت
على الإيمان بالمسيح يسوع الذي
تألم وصلب وقبر وقام من الأموات
معلناً لنا حياة القيامة والخلود
.
القيامة والخلود
جلبت القيامة للعالم رجاء وسعادة
بالنور الذي ألقته علي الخلود
البشري . هوذا الفلسفة تحوم حول
الحياة ولا تستطيع الدخول إلي
أعماقها . وهوذا العلم يقف عند حد
القبر في مباحثة لا يستطيع أن يصل
إلي ما وراءه .. لقد شك كثير من
البشر في حقيقة القيامة والخلود .
حتى قال توما أحد تلاميذ السيد
المسيح " لا أصدق ما تقولون ما لم
أضع إصبعي قي أثر المسامير
والحربة " ولكن بعد تأكدهم من
قيامة السيد المسيح اصبح الخلود
في نظرهم وفي نظر جميع المؤمنين
حقيقة ملموسة ثابتة لقد أوضحت لنا
قيامة السيد المسيح ما عجز عنه
العلم وما قصرت الفلسفة عن إدراكه
وإيضاحه .. وما الموت في نظر
المؤمن سوي انتقال من الموت إلي
الحياة ومن عالم ضيق تعس إلي رحاب
الأبدية السعيدة الواسعة .
|