مقالات   

                                                                      22/07/2007

الكنيسه القبطيه و الأصوام السبعه

 

صام اشقاؤنا المسلمون منذ فتره قصيره صوم رمضان المعظم . و اعقب ذلك عيد الفطر المبارك . و قدمنا لهم خالص التهاني و تمنينا لهم صوما مقبولا و عيدا سعيد . و في هذه الأيام يصوم الأقباط صوم الميلاد المجيد و هو أحد الأصوام السبعه التي يصومونها كل عام و يبلغ عدد أيام الأصوام السبعة 239 يوماً أي نحو ثلثي أيام السنة .

و في هذه المناسبه نؤكد ان للجسد رغبات خاصة لا يستطيع أن يعيش بدونها . وتنحصر هذه الرغبات في التغذية والشرب والتنفس والملبس والمسكن . فكأن الغاية منها ليست إلا حفظ الجسد صحيحاً وحمايته من الضعف الذي يصحبه الموت . لكن السواد الأعظم من الناس يجهلون هذه الحقيقة فيظنون أنهم لم يخلقوا إلا لكي ينهمكوا في المآكل والمشارب واللذات المختلفة وكأنهم يشتركون مع القائلين فلنأكل ونشرب لأننا غداً نموت( 1 كو 15 : 32 ) . ولكن العاقل المنصف هو الذي لا يعطى لجسمه من الرغائب إلا ما هو في حاجة إليه لأن كل ما يزيد عن المقدار الطبيعي يكون ضاراً في معظم الأحيان . فقد يسئ حالته أو يخل نظامه ويجعله يطغى على الروح الطاهرة .        

إن الكثيرين يعيشون في قلق دائم وارتباك مستمر من جهة أمور الجسد . فإذا ما تأملتهم وجدتهم عابسين مكتئبين لأنهم يعولون أجسادهم ، وكأنهم يخافون أن تتخلى عنهم عناية الله فيتعرضوا للجوع أو العطش أو العرى ، ولذلك فهم يقصرون همهم على جمع وتحصيل ما يشتهيه الجسد ، ويواصلون ليلهم بنهارهم في خدمته ، ويا ليت هؤلاء يعلمون أن أي شئ يمكن أن يشبع الجسد ويسد احتياجاته مادام صاحبه قانعاً " فإن كان لنا قوات وكسوة فلنكتف بهما " (تى 6 : 8 ) .

الصوم وصية إلهية بل وعطية سماوية أعطاها الله لبنى البشر لكي بواسطته يصلون إلى أعلى الدرجات الروحانية والسمو العقلي فيشتركون مع الملائكة في رؤية المجد الأزلي وتسبيح الذات الأعلى .

وأول وصية أعطيت لآدم في الجنة من قبل الله تعالي هي أن لا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر ، وكانت هذه الوصية في حد ذاتها أمراً بالصوم والامتناع من أكل ثمر إحدى الأشجار ليتدرب آدم على قوة الإرادة وصلابة العزم . فيصوم وقت الصوم ويأكل وقت الأكل .  

والواقع أنه كما أن النار تحرق وتطهر من التلوث بالجراثيم والميكروبات وكل ما يسبب الأمراض القاتلة ، هكذا الصوم فإنه يلاش ويقض على كل نزوة طائشة ولذة فاسدة وحركة غير نقية تعمل في النفس لتميل بها إلى جانب الشر والدنس القاتل للنفس . 

الصوم هو فضيلة عظيمة بها نقمع حركات الجسد ونذلله ونطفي حرارته لأن الجسد كلما شبع ثار وكلما ضيق عليه صاحبه في المآكل والمشرب والمسكن وبقية الرغبات هدأ وسكن

إن الذين لا يجعلون للصوم مركزه اللائق به لفي جهل عظيم لأن الصوم ركن أساسي من أركان العبادة ، فكما إننا بالصلاة نعبد الله بنفوسنا فنحن بالصوم نعبده بأجسادنا ، وقد جاء في قوانين الكنيسة " الصوم زكاة للجسد كما أن الصدقة زكاة المال " . ولكي يبين السيد المسيح أن الصوم ضروري كما أن الصلاة والصدقة ضروريتان تكلم في عظته على الجبل قائلاً " فمتي صنعت صدقة .. ومتي صليت .. ومتي صمتم .. " ( مت 6 : 5 6 ) .     

ثالوث الفضائل الصدقه و الصلاه و الصوم

عندما نتحدث عن الصوم نكون قد أمسكنا مثلثاً من أحد أضلاعه الثلاثة التي رسمها السيد المسيح في موعظته على الجبل حين تناول الكلام عن الصدقة فقال : احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم . و عن الصلاة بقوله:ومتى صليت فلا تكن كالمرائين فإنهم يحبون أن يصلوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس. وعن الصوم عندما قال : ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين فإنهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين.(مت ص 6 ) .

واقتصار السيد المسيح على الكلام عن هذه الفضائل الثلاث و تصحيح الأخطاء التي وقع فيها الفريسيون من جهة هذه الفضائل بإساءة استعمالها ، أمر له دلالته وقوته لأن ثالوث هذه الفضائل هو تعبير للحياة الدينية التي قال عنها يعقوب الرسول : الديانة الطاهرة النقية عند الله الأب هي هذه افتقاد اليتامى و الأرامل في ضيقاتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم ( يع 1 : 27 ) ، وما افتقاد اليتامى و الأرامل في ضيقاتهم إلا بالصدقة وما يحفظ نفس الإنسان من دنس العالم غير الصلاة و الصوم ؟

الصوم يمسك الصلاة بيمينه و الصدقة بشماله

الكلام عن الصوم هو إمساك لمثلث الحياة الدينية من أحد أضلاعه لأن من يمسك ضلع الصوم بيده يمسك ضلعي الصلاة و الصدقة باليد الأخرى ، لأنه قد يصلي الإنسان دون أن يكون صائماً أو متصدقاً حال الصلاة و كذلك يتصدق الإنسان دون أن يكون صائماً أو مصلياً حال تقديم الصدقة . ولكن الصائم لابد له حال صيامه أن يكون مصلياً لأن الصوم ما هو إلا ظرف لتقديم الصلاة كما هو واضح من الكتاب المقدس الذي ذكر الشيء الكثير عن الذين صاموا كيف أنهم صاموا وصلوا .

وكذلك يكون أيضاً متصدقاً لأن الصوم يكون باطلاً بدون الصدقة كما يقول إشعياء النبي : " أليس هذا صوماً أختاره أن تكسر للجائع خبزك وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك ، إذا رأيت عرياناً أن تكسوه وأن لا تتغاضى عن لحمك " ( اش 58 : 6 ، 7 ) . فالصوم إذن يمسك الصلاة بيمينه و الصدقة بشماله .

الصوم عن الطمع و الشراهة

إن الطمع و الشراهة مرضان قلما يسلم إنسان منهما . و بسببها يترك المرء خالقه و ينسى الاهتمام بروحه لكي يجمع ويكدس ويذخر الخيرات الزمنية التي يتلذذ بها جسده ، ولذلك يقول الكتاب " اهتمام الجسد عداوة لله " ( رو 8 : 7 ) . و الرسول يعطي لغير القانعين درساً بقوله " تعلمت أن أكون مكتفياً بما أنا فيه . أعرف أن أتضع وأعرف أيضاً أن أستفضل في كل شئ . وفي جميع الأشياء قد تدربت أن أشبع وأن أجوع . وأن أستفضل وأن أنقص . أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني " ( في 4 : 13 ) .

فما أجمل أن يتعلم الإنسان من رسول الأمم كيف يرضى بحالته ويقتنع بما أعطاه الله فلا يتذمر إذا أمتلك قليلاً و لا يتجبر إذا ملك كثيراً . بل يلزم الرضى و الشكر في كلتا الحالتين . و أعظم مدرسة للتدريب على ذلك هي مدرسة الصوم .

الصدقة طبيعة في الإنسان

الصدقة طبيعة في الإنسان لأن أحط الناس أخلاقاً وأبعدهم عن الدين و الفضيلة تراه بطبيعته يتصدق ويحسن والقول الشائع ليتها ما زنت و لا تصدقت . و أكبر دليل على أن الصدقة ميل طبيعي في الإنسان يندفع إليها بعامل في نفسه .

وليس الإنسان وحده متصدقاً بل وعالم الطير و الحيوان أيضاً فطالما أرضعت البقرة أو المعزى يتيماً من نوعها أو من البشر وقد رأى بعضهم حمامة كانت تعرج على عش فيه فراخ صغيرة تركتها أمها ولم تعد إليها لأن صياداً كان قد اصطادها فلم يسع هذه الحمامة إلا أن تصدقت على هذه الفراخ الصغيرة اليتيمة بأنها في كل مرة تأتي حاملة الحبوب في حوصلتها لفراخها تعرج على الفراخ اليتيمة وتضع في أفواهها جزءاً مما أعدته لفراخها .

وكذلك أيضاً عالم النباتات يتصدق وذلك بأن الشجرة إذا ما ارتوت بالماء تركت ما فاض عنها وبقى بعد شربها لبقية الأشجار الأخرى وكذلك الأغصان و الأثمار إذا ما أخذت كفايتها من عصير الشجرة تركت الباقي لبقية الأغصان و الثمر . وكذلك عالم الجماد يتصدق على النحو الذي يتصدق به الأشجار فإذا ما ارتوت أرض بالماء تركت الباقي يفيض إلى الأرض الملاصقة لها ولو بطريق " النشع " الارتشاح .

الهزيمة المضمونة

وفي الصوم نجاهد في معركة مع إنساننا الداخلي ، ونبدأ نتعلم حياة التوبة ، يقول القديس يوحنا فم الذهب : " أي زمان هو أوفق للتوبة من زمن الصوم " . و التوبة في أروع تعريف لها هي تغيير الاتجاه . فإن كنا في البداية لا نغير اتجاه سيرنا المنحرف فكيف نقدم على حرب الجهاد إذ لا نتوقع حينئذ سوى الهزيمة المضمونة . يقول القديس يوحنا كاسيان " لا نستطيع أن ندخل في معركة مع إنساننا الباطن ما لم نتحرر من رذيلة الشراهة ، يجب أولاً أن نثبت أننا قد تحررنا من الانقياد للجسد .. من المستحيل على المعدة الممتلئة بالطعام أن تدخل في محاول للنضال مع الإنسان الداخلي ، ومن يتغلب في مناوشة تافهة لا يستأهل للدخول في جولات أعنف روحياً .

الصلاة طبيعة من طبائع الناس

 إن الصلاة طبيعة من طبائع الناس يندفع إليها و يمارسها كعمل من أعمال كيانه وكوظيفة من وظائف حياته الطبيعية أليست الصلاة هي الطلب ؟! و أليس الطلب طبيعياً في الإنسان ، يطلب وهو طفل و يعبر بحركات وصرخات ويطلب كل أيام حياته وكل دقائق ساعاته من كل الذين تتصل بهم معيشته و حاجاته .

بل والناس عموماً على اختلاف أجناسهم وأديانهم يصلون حتى الكفرة يشعرون في أوقات الشدة و المخاوف بدافع يدفعهم للجثو على ركبهم للصلاة و التذلل و الاستعانة وكذلك الذين يقعون تحت عبء المسئوليات الخطيرة تراهم يهرعون إلى الصلاة .

وليس الإنسان فقط هو الذي يصلي وحده بدافع من طبيعته بل الطيور بتغريدها وزقزقتها تصلي و الحيوانات بحركاتها وأصواتها تصلي وتطلب من أصحابها حاجتها بل و تصلي إلى الله على حد قول المرنم " هذا البحر الكبير الواسع الأطراف، هناك دبابات بلا عدد صغار حيوان مع كبار .. كلها إياك تترجى لترزقها قوتها في حينه "( مز 104 : 25 27 ) . وقوله: سبحي الرب من الأرض أيتها التـنانين وكل اللجج. النار والبرد والثلج والضباب والرياح العاصفة الصانعة كلمته..الجبال وكل الآكام الشجر المثمر وكل الأرز والوحوش وكل البهائم الدبابات والطيور ذوات الأجنحة(مز148: 7 - 10) .

ولفعالية الصوم ، نجد ارميا النبي في العهد القديم ، يرى ضرورة اقترانه بالقراءة في الكتاب المقدس "وأوصى ارميا باروخ قائلاً .. فأدخل أنت و أقرأ في الدرج الذي كتبت عن فمي كل كلام الرب في آذان الشعب في بيت الرب في يوم الصوم " ( أرميا 36 : 5 6 ) .

كما أوضح دانيال النبي ضرورة أن يقترن الصوم بالتذلل و الصلاة و التوبة و الاعتراف قائلاً " فوجهت وجهي إلى الله السيد طالباً بالصلاة و التضرعات .. بالصوم و المسح و الرماد وصليت إلى الرب إلهي واعترفت وقلت أيها الرب الإلهة العظيم .. أخطأنا وأثمنها و عملنا الشر و تمردنا وحدنا عن وصاياك وعن أحكامك " ( دا 9 : 3 5 ) .

وفي العهد الجديد ، عندما بدأ السيد المسيح الإله الكلمة المتأنس خدمته الجهارية نجده يوضح كيفية ممارسة الصوم ، و يعلن عن نتيجة الصوم قائلاً " أما أنت فمتى صمت فأدهن رأسك و أغسل وجهك لا لكي تبدو صائماً للناس بل لأبيك الذي يرى في الخفاء . فأبوك الذي يرى في الخفية يكافئك علانية " ( متى 6 : 17 17 ) .

كما أعلن رب المجد أن الصوم في حد ذاته ليس له قوة أو فاعلية ما لم يقترن بالصلاة " إن هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة و الصوم " ( متى 17 : 21 ) . وكما أن الصوم بدون صلاة ليس له قوة ، كذلك نجد أن الصوم بدون صدقة ، صوم مرفوض من الله " طوبى لمن يتعطف على المسكين و الفقير في يوم الشر ينجيه الرب " ( مز 41 : 1 ) .

الصوم و الكتاب المقدس و كنيستنا القبطية

مارس أنبياء العهد القديم الصوم ، وعلموا بممارسته لما له من فاعلية في ضبط الحواس الإنسانية و السمو بها و الخلاص من الضيقات و الأعداء ، نذكر منهم :

موسى النبي عندما أراد الرب الإله تسليمه أحكام الشرائع الإلهية مكتوبة جعله يتهيأ لذلك بصومه على جبل سيناء أربعين نهاراً و أربعين ليلة "  لم يأكل خبز ولم يشرب ماء ( خروج 34 : 28 ) وعندما كسر موسى النبي لوحا العهد بعد أن رأى العجل المسبوك الذي صنعه بني إسرائيل وعبدوه أثناء تواجده على جبل سيناء ، صام مرة ثانية ليتهيأ لاستلام بدلاً منها من الله " ثم سقطت أمام الرب كالأول أربعين نهاراً و أربعين ليلة لا آكل خبزاً ولا أشرب ماء من أجل كل خطاياكم التي أخطأتم بها بعملكم الشر أمام الرب " ( تثنية 9 : 18 ) .

ـ إيليا النبي عندما أرادت إيزابيل قتله كما قتل هو جميع أنبياء البعل ، و أرسلت إيزابيل آخاب ليعلمه بذلك ، صام أربعين نهاراً و أربعين ليلة عند هروبه إلى جبل حوريب " فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين نهاراً وأربعين ليلة إلى جبل حوريب"(1ملوك9 : 18).

ـ خاب الملك  الشرير ، عندما سمع كلام إيليا النبي بما سيحل عليه من ضيقات و آلام ، نراه يذلل نفسه بالصوم " ولما سمع آخاب هذا الكلام شق ثيابه وجعل مسحاً على جسده وصام واضطجع بالمسح ومشى بسكوت " ( 1 ملوك 21 : 27). وقد استجاب الله لتذلله وقال لإيليا " فمن أجل أنه قد أتضع أمامي لا أجلب الشر في أيامه ، بل في أيام أبنه أجلب الشر على بيته " ( 1 ملوك 21 : 29 ) .

ـ يهوشا فاط ملك يهوذا :عندما  باستعداد بنو مؤاب وبنو عمون ومعهم العمونيون لمحاربته " طاف يهوشا فاط وجعل وجهه ليطلب الرب ونادى بصوم في كل يهوذا "(2أخبار 20  3).

ـ عزرا النبي عندما صام للنصرة على العدو " وناديت هناك بصوم على نهر أهوا لكي نتذلل أمام إلهنا لنطلب منه طريقاً مستقيمة لنا ولأطفالنا ولكل ما لنا .. فصمنا وطلبنا ذلك من إلهنا فاستجاب لنا " ( عزرا 8 : 21 23 ) .

ـ نحميا النبي عندما علم أن اليهود الباقين من السبي " في شر عظيم وعار وسور أورشليم متهدم وأبوابها محروقة بالنار يقول" جلست و بكيت ونحت أياماً وصمت أمام إله السماء"(نحميا1: 3 4 ) .

ـ أستير عندما طلبت  من مردخاي أن يصوم جميع اليهود لخلاصهم من مكيدة هامان قائلة لمردخاي " أذهب أجمع جميع اليهود الموجودين في شوشن وصوموا من جهتي ولا تأكلوا ولا تشربوا ثلاثة أيام ليلاً و نهاراً . وأنا أيضاً وجواري نصوم كذلك " ( أستير 4 : 16 ) .

ـ داود النبي يقول :  أذللت بالصوم نفسي .. وأبكيت بصوم نفسي .. ركبتاي ارتعشتا من الصوم ولحمي هزل عن سمن " ( مزمور 35: 13 ، 69 : 10 ، 109 : 24 ) .

ـ إشعياء النبي : يوضح شروط الصوم المقبول عند الله قائلاً " أليس هذا صوماً أختاره ، حل قيود الشر . فك عقد النير وإطلاق المسحوقين أحراراً وقطع كل نير ، أليس أن تكسر للجائع خبزك وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك . إذا رأيت عرياناً أن تكسوه وأن لا تتغاضى عن لحمك " ( أش 58 : 6 17 ) . كما يوضح إشعياء النبي أسباب عدم قبول الله لأصوام البعض قائلاً :"ها إنكم في أيام صومكم توجدون مسرة وبكل أشغالكم تسخرون. ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون ولتضربوا بكلمة الشر..أمثل هذا يكون صوم أختاره "(أش58: 3 - 5 ).

ـ ارميا النبي يعلن أن الرب الإله لا يقبل صوم الخطاة الذين لا يريدوا الرجوع عن خطاياهم قائلاً : حين يصومون لا أسمع صراخهم وحين يصعدون محرقة وتقدمة لا أقبلهم بل بالسيف و الجوع و الوباء أنا أفنيهم ( إر 14 : 12 ) .

ـ يوئيل النبي يقول : قدسوا صوماً نادوا باعتكاف .. واصرخوا إلى الرب ( يوئيل 1 : 14 ) .

ـ يونان النبي يقول : فآمن أهل نينوى بالله ونادوا بصوم ولبسوا مسوحاً من كبيرهم إلى صغيرهم ( يونان 3 : 5 ) .

السيد المسيح و الرسل و الصوم

صام السيد المسيح ليكون لنا مثالاً نحتذي به وليعلمنا أنه بالصوم نستطيع أن نضبط حواسنا ، وبالتالي نستطيع أن ننتصر على الشيطان ، وننجو من التجارب " فبعد ما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة جاع أخيراً . فتقدم أليه المجرب .. حينئذ قال يسوع أذهب يا شيطان ..ثم تركه إبليس وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه ( متى 4 ) .

وقد صام التلاميذ والرسل بعد أن صعد السيد المسيح جسدياً إلى السماوات بعد أن تم الفداء المجيد وقام منتصراً على الموت " وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما أليه . فصاموا حينئذ وصلوا عوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما " (أعمال 13 : 2 3)   

وقد أعلن الرسول بولس أنه استطاع أن ينتصر على المحاربات والمكائد العديدة بالصوم " في أتعاب في أسهار في أصوام .. في جوع وعطش في أصوام مراراً كثيرة " ( 2 كورنثوس 6 : 5 ، 11 : 7 ) .

لذلك ومن أجل فوائد الصوم الروحية والصحية ، يصوم المسيحيون كثيراً ، وفى المسيحية سبعة أصوام عامة ، هي فترات تعبدية يشارك فيها جميع المسيحيين . والاصوام العامة هي غير الأصوام الفردية ، والصوم الفردي هو ما يفرضه الإنسان على نفسه ، تعبداً لله ، أو استغفاراً وطلباً لرحمة الله ورضاه عنه ، أو طلباً للخلاص من ضيقة أو شدة نزلت به أو نزلت بأسرته .

الكنيسه القبطيه والأصوام السبعة

الأصوام السبعة هي

( 1 ) الصوم المقدس " الكبير " : وعدد أيامه 55 يوماً ، الأربعون يوماً التي صامها مخلصنا له المجد ، أما الخمسة عشر يوماً الباقية فهي عبارة عن أسبوعي الاستعداد والآلام.

( 2 ) صوم الميلاد : وعدد أيامه 43 يوماً ، يبتدئ دائماً من 16 هاتور وينتهي بعيد الميلاد الذي يقع في 29 كيهك أو 28 منه إذا كانت السنة السابقة كبيسة .

( 3 ) صوم الرسل : وعدد أيامه يزيد وينقص حسب القاعدة المتفق عليها من المجامع المقدسة المسكونة لضبط عبد الفصح حتى لا يعيد المسيحيون مع اليهود وتتراوح مدته بين 15 و 49 يوماً ، ويبتدئ دائماً بيوم الاثنين الذي يلى عيد العنصره وينتهي باليوم الرابع عشر من أبيب ، وقد أخذته الكنيسة عن الرسل شكراً لله علي ما أنعم به على أبنائها وبناتها من مواهب الروح القدس .

( 4 ) صوم القديسة مريم العذراء : ومدته 15 يوماً يبتدئ بأول شهر مسرى وينتهي باليوم الخامس عشر منه ، وأن أول من صامه هي القديسة مريم حسب شهادة التاريخ الكنسي .

( 5 ) صوم أهل نينوى : الذي نجت به تلك المدينة من غضب الله وحازت رضاه ، وعدد أيامه ثلاثة ويبتدئ عادة بيوم الاثنين وينتهي بيوم الأربعاء و فصحة الخميس دوماً وهو يسبق الصوم الكبير بخمسة عشر يوماً .

( 6 ) صوم يومي الأربعاء والجمعة : على مدار السنة ما عدا أيام الخمسين وعيدي الميلاد والغطاس إذا اتفق فيهما ، وهذان اليومان الأربعاء والجمعة الأول تذكار المؤامرة على السيد المسيح والثاني تذكار صلبه المجيد .

( 7 ) البرامون : ومعناه الاستعداد ويقع قبل عيدي الميلاد والغطاس وتتراوح مدته بين يوم وثلاثة أيام ، فإذا وقع العيد كان البرامون يومين ، وإذا وقع يوم الاثنين كان البرامون ثلاثة أيام وما عدا ذلك فهو يوم واحد .

وقد وضعت الكنيسة " البرامون " ليستقبل المؤمنون العيد بما يتفق وكرامته السامية من طهارة جسدية ونقاوة وانسحاق روحي ، تلك التي يساعد الصوم على الحصول عليها مساعدة فعلية لأنه ينبوع الكمالات الروحية والأدبية . هذه الأصوام المقدسة موضوعة لجميع المؤمنين ولا يعفى منها إلا الأطفال والمرأة في حالة وضع والشيوخ الذين تقدمت بهم السن لدرجة معها لا يستطيعون الصوم والمرضى وبذلك تبلغ أيام الأصوام السبعة 239 يوماً أي نحو ثلثي أيام السنة .

تمنياتنا لكل المسيحيين الصائمين ان يعطهم الله نعمه و بركه فتكون فتره الصوم فتره روحيه يمتد تأثيرها الي ما بعد الصوم و حتي تلحق بالصوم الذي يليه و الي انقضاء الأيام .

 

fathermarcosaziz@hotmail.com