مقالات   

                                                                     15/11/2009 

لقاء الأحد : الرب يضع اعداءك موطيء قدميك (2)
 

لقد صمدت المسيحيه أمام قوات الجحيم فلم تقو على زعزعتها ولا أسقطت شيئا من ايمانها ، ولا نالت منها المهاجمات والانتقادات أى منال... بل كانت كل القوات التي تصدت لها والكهان والوثنيين والفلاسفة والملحدين والحكومات تتدافع متكسرة عليها كما تتكسر أمواج البحر الهائجة على الصخور الصلبة... كل هذا و المسيحيه المقدسه صامده ثابته تسخر من اعدائها وتهزأ بهم وهي تشاهد زوالهم مودعه إياهم ومستقبله غيرهم لتودعهم كسابقيهم وداع الأحياء للأموات الذين يسكنون القبور.

صمدت المسيحيه لأنها ديانه الله الحقه التي لايقوى أحد على زعزعتها. لقد كان لديوكليتان مضطهد المسيحية تمثالان كتب على أحدهما : أقيم هذا التمثال لديوكليتان لأنه أطفأ اسم الديانة المسيحية ولاشاها,  وكتب على الآخر لأنه ألغى من الأرض الخرافة القائلة بوجود المسيح . وها نحن فى القرن الثامن عشر للشهداء الذين ذبحهم ديوكليتان وظن بذلك أنه لاشى المسيحية من الوجود وها نحن نرى انتشار المسيحية فى كل أقطار العالم. فأيهما لاشى اسم الآخر واحتل مكانه؟!! ألم يسقط ديوكليتان أمام عرش السيد المسيح كما سقط داجون أمام تابوت الرب قديماً؟ ألم يجلس على عرش إمبراطورية ديوكليتان خليفة من خلفاء رسل السيد المسيح؟

لقد هزأ أحد الكفار يوماً بالمسيحيه المقدسه قائلا : لا تمر إلا بضع سنوات حتى تتلاشى المسيحيه و يتلاشي الكتاب المقدس فلم تمر سنوات طويلة حتى بيع منزل هذا الكافر فاشترته جمعية الكتاب المقدس وجعلته مخزناً للكتاب المقدس ولايزال مخزناً حتى هذا اليوم شاهداً بأن المسيح هو المالك لكل شئ وأن كتابه لا يقف أمامه أحد .

و كان قداسه البابا شنوده الثالث قد تولي رئاسه الكنيسه في 14/11/1971  . و منذ ذلك الوقت كانت العلاقات بينه و بين أخوانه المسلمين علي أحسن ما تكون العلاقات . و ظل السادات يتحدث عن الوحده الوطنيه و يشيد بقداسه البابا حتي مايو 1981 حيث أعلن السادات المواجهه العلنيه من الدوله و أبتدأ يلقي اتهاماته الباطله بأن قداسه البابا شنوده يخطط لأنشاء دوله للأقباط مستقله في صعيد مصر تكون عاصمتها اسيوط وكانت نكته الموسم و اتهام باطل يحتاج الي دليل خاصه و ان عقيدتنا تقوم علي الولاء لرئيس الدوله و نصلي لأجله و لأجل الوطن في كل صلواتنا . بهذاالأتهام الباطل تلبدت في الجو سحب قاتمه تنذر بالمطر الخطير علي ارض مصر و هكذا تهددت الوحده الوطنيه و لعبت أصابع التفرقه و الأثاره . و جاء يوم 5 سبتمبر 1981 و تصور انور السادات انه سيحقق حلمه الذي سبق ان اعلنه مع قيام الثوره , انه لن تمر خمسه عشر عاما , الا و يكون اكبر قبطي في مصر , اما بواب عماره أو ماسح أحذيه , و أعلن السادات قراره المشؤم المشهور بالغاء قرار رئيس الجمهوريه عام 1971 الخاص باعتماد اختيار الأنبا شنوده في منصب البابا و ترحيله الي دير الأنبا بيشوي . و قبض علي ثمانيه اساقفه و أربعه و عشرين قسيسا و عدد من كبار الشعب , كما قام السادات بحل عدد من الجمعيات الدينيه , و بعد ان كان السادات يباهي بأنه أغلق المعتقلات الي الأبد . و يعتز بأن هذا التصرف من مفاخره و حبه للحريه . رايناه يفتح ابواب المعتقلات في كلام بلغ حد الأسراف , و القي فيها بعشرات الالاف من أشرف رجال الوطن بعدما أعطي للمعتقلين أسما جديدا و هو ( المتحفظ عليهم ) و ما أظن أن بين الوصفين ـ الأعتقال أو التحفظ ـ فارق في المدلول , فكلاهما هدر للحريه و أعتداء علي حقوق الأنسان . و لعل ما حمله علي هذه التصرفات الهوجاء الجامحه هو الغرور الذي ملأ ارادته نتيجه لما أضفته عليه الصحف في الداخل و الخارج من صفات الحكمه و الجرأه  حتي ظن أنه كذلك فعلا , و ما ذنب البالونه الفارغه اذا راح الأطفال ينفخون فيها بأنفاسهم اللاهثه ؟!

و قد أسدل الستار علي هذه الدراما الأليمه حيث ذهب قداسه البابا الي خلوه في دير الأنبا بيشوي و كان ذلك بقرار العزل رقم 491 لسنه 1981 و كانت فتره اعتكاف البابا بالدير و التي استمرت اربعون شهرا  فتره حزينه في تاريخ الكنيسه فأرتدت السيدات الملابس السوداء و استخدم الرجال رباط العنق الأسود. و قد كتب اصحاب الأقلام الشريفه مقالات مطوله يطالبون فيها بعوده قداسه البابا . و مرت الأيام وأصدر الرئيس محمد حسني مبارك قرار العوده في أول  يناير 1985 بعد ان ترك قداسه البابا موجودا بالتحفظ لمده اربعون شهرا كما أشرت , بينما اخرج سيادته السياسيين المسلمون الذين القي القبض عليهم في نفس وقت التحفظ علي قداسه البابا , بعد توليه مهام الحكم مباشره ( ما علينا فليس هذا موضوعنا اليوم و ربما نتحدث عنه فيما بعد ) . لقد عاد قداسه البابا مكرما الي كرسيه و أستأنف خدمته بصلاه قداس عيد الميلاد. و دخل التاريخ لا لأجل عظاته الرائعه فحسب , و لا لأجل قيادته الحكيمه فحسب , و لا لأجل محبته و علمه و شهاداته و اخلاصه و امانته و وطنيته و حبه لكل أحد دون تفرقه بين مسيحي و مسلم و لا لأجل  كذا و كذا فحسب بل لأجل كل هذا و ذاك و لأمور عظيمه كثيره و اعاد الينا صوره رائعه لأبطال الأيمان الذي شهدوا لألههم بصوت عال , انه يخشي اي شيء قد يتعرض له واضعا نصب عينيه قول رب المجد " من ينكرني علي الأرض انكره امام ملائكه ابي الذي في السموات " فأستحق التكريم " اكرم الذين يكرمونني و الذين يحتقرونني يصغرون " .

لقد لفت انظار الجميع انه لم يمضي سوي شهر علي أصدار الرئيس السادات قراره بعزل قداسه البابا و القبض علي علماء و رجال الدين المسلمون و الأقباط ( في 5 سبتمبر 1981 )  الا و قد تم أغتيال السادات  و ذلك خلال احتفالات القوات المسلحه بذكري انتصارات 6 أكتوبر . و كان ذكري مرور أربعين يوما علي اغتيال السادات هو يوم 14 نوفمبر و هو اليوم الذي يوافق عيد جلوس قداسه البابا علي كرسيه . ( اللهم لا شماته ) . أنني اذكر تاريخ فقط لا غير .

و ها نحن نحتفل بالعيد الثامن و الثلاثون لجلوس قداسه البابا شنوده الثالث علي كرسي القديس مرقس الرسول , و نتذكر كم من الصعاب واجهته , و كيف تغلب عليها بنعمه الهه , تعرض للنفي في دير الأنبا بيشوي ( التحفظ كما سماه الرئيس المؤمن محمد انور السادات ) فتمثل بالقديس العظيم اثناسيوس الرسول . تعرض للمؤامرات و الضيقات من القريبين و البعيدين فتمثل بالقديس العظيم بولس الرسول , خرج عليه البعض متصورون انهم سينالون من مكانته , و لكن هيهات لهم ذلك , فكل اله صورت ضد الكنيسه و ضده لم تنجح , حفظ الأيمان القويم و استبسل في الدفاع عنه امام عمالقه و اقزام فكانوا جميعا في النهايه أقزام ,

كل عام و قداسه البابا و الكنيسه, و بنعمه الرب نستأنف في الأسابيع القادمه كتابتنا التي بدأناها في الأسابيع الماضيه عن واحد من الأقزام الذين تصوروا انهم قد ينالون من قداسته او الكنيسه , فأعلن انه كان أعمي و هو لا يدري انه بالحقيقه صار أعمي البصر و البصيره .

 

fathermarcosaziz@hotmail.com