|
يحتفل الاقباط هذه الأيام بصوم
السيدة العذراء و يسرني ان اتوجه
باخالص التهنئه للشعب المصري
باجمعه و في هذة المناسبة اقول:
ليس للفرد حق في أن يختار أمه ،
وله أن يختار زوجته ، ولكن السيد
المسيح له المجد أختار أمه لتكون
إناءً مقدساً لحلوله " لأنك قد
وجدت نعمة عند الله " ( لو 1 : 46
) . فإذا كانت المرأة التي سكبت
الطيب على قدمي المسيح قد استحقت
أن يقال عنها " حيثما يكرّز بهذا
الإنجيل في كل العالم يذكر ما
فعلته هذه المرأة تذكاراً لها " .
فكم يكون الإكرام اللائق لمن لم
تسكب الطيب على قدمي المسيح ، بل
سكبت القلب طيباً ثميناً . وقد
تنبأت العذراء وقالت : " منذ الآن
كل الأجيال تطوبني " ( لو 1 : 48
) . ولم تبرح عالمنا حتى رأت
وسمعت تحقيق هذه النبوة . إذ
بامرأة ترفع صوتها من الجمع وتقول
: " طوبى للبطن الذي حملك
وللثديين اللذين رضعتهما " ( لو
11 : 27 ) .
كيف إذن نطّوب العذراء ؟ .. إذا
كانت هذه منزلتها وكرامتها ففي أي
شئ تكرم الكنيسة العذراء مريم ؟
الكنيسة تكرم العذراء مريم في
الصوم المسمي باسمها و من المعروف
ان الاقبط شعب يميل إلى التصوف
والزهد ، فقد اشتهر بكثرة أصومه
إذ يري الصوم وسيلة لتدريب
الإرادة وضبط النفس لكبح الشهوات
والتقليل من قيمة الرغبات المادية
حتى لا تضغط على الميول الروحية .
وصوم السيدة العذراء الذي يبدأ في
أول مسرى وينتهي في الخامس عشر
منه ، نسب إلى العذراء ، أو دعي
باسمها ، ليس لأن العذراء قد
وضعته أو فرضته بل لأنه ينتهي
بعيدها المقدس . و هو من الأصوام
المحبوبة جداً لدي الشعب والعجيب
في هذا الصوم أن أيا من أفراد
الشعب لا يحتاج فيه ولا ينتظر من
الكنيسة أي توجيه أو أي حث بل
الكل يتبارى في النسك والتقشف
والانقطاع عن الطعام برغبة
واشتياق كبير ، دون أي تعليم أو
تشويق . وسر ذلك الصوم هو في ان
القديسه مريم العذراء هي شفيعة
لكل من يلتجئ أليها لجوء الأيمان
والرجاء والمحبة. ومع أن هذا
الصوم هو من أصوام الدرجة الثانية
الذي يصام حتى السادسة ويصرح فيه
بأكل السمك .. ألا أن الشعب حبا
في العذراء مريم يعطي لهذا الصوم
أولوية وقيمة أكثر من أصوام
الدرجة الأولي .
وليس معنى أننا نطلق اسم العذراء
على هذا الصوم أو أسم يونان
وأسماء الرسل على صوم الرسل أننا
نصوم للعذراء أو للرسل .. كلا
أننا نصوم صومنا لله لكن الأصل في
هذه التسمية هو أن صوم العذراء
ينتهي بعيد صعود جسدها الطاهر إلى
السماء بعد وفاتها ، وبالمثل صوم
الرسل فقد سمي باسمهم لأنهم هم
الذين صاموه بعد حلول الروح القدس
عليهم ولأنه ينتهي بعيد استشهاد
الرسولين بطرس وبولس يوم 5 أبيب .
الكنيسة تكرم ايضاالعذراء مريم في
الاحتفال بأعيادها المقدسة . و
كلمة عيد لغويا من عود أو أعاده
لتكرار العيد بين وقت وآخر ويفهم
من كلمة عيد في اللغات الأخرى
معنى : الفرح والابتهاج والبهجة
والموسم . ألا أن النص الموجود في
يضيف إلى معني كلمة العيد معني
الشهادة ، إذ سمي المذبح عيدا ..
وتجدها في جميع الترجمات وهي ترجع
إلى الأصل العبري الذي يعني شاهد
. فإذا كان أهل العالم يحتفلون
بذكري أبطالهم ومشاهير رجالهم
ونوابغ شعرائهم وكبار فلاسفتهم
وعظماء شهدائهم ، ويقرنون ذكراهم
بالمديح والإطراء والإعجاب
والثناء المستطاب أفلا يجب على
الكنيسة أن تحتفل بذكري أبطالها
الروحانيين وجند الرب الصالحين
اعتادت الكنيسة منذ القدم أن تعيد
للسيدة العذراء أعيادا شهرية
تتكرر كل شهر وأعيادا موسمية تأتي
مرة واحدة في السنة و الأعياد
الشهرية تقع كل يوم 21 وكل يوم
29 من الشهر القبطي على مدار
السنة متذكرة بذلك الحدثين
الهامين اللذين يربطان القديسه
مريم العذراء بالسيد المسيح أكثر
من أي شئ آخر وهما البشارة
والميلاد .اما الأعياد السنوية
فهي ثمانية أعياد سبعة منها قدامي
والعيد الثامن مستحدث . وهاك
الأعياد الخاصة بعذراء العذارى
التي تحتفل بها الكنيسة .
1.
في اليوم السابع من شهر مسرى بعيد
البشارة بميلادها .
2.
وفي اليوم الأول من شهر بشنس بعيد
ميلاها المقدس .
قال غبطة البابا شنودة الثالث :
"إن الكنيسة المقدسة وإن كانت
تحتفل دائماً بأعياد استشهاد
القديسين ونياحتهم وليس بميلادهم
إلا أنها بالنسبة للعذراء بالذات
تحتفل بعيد ميلادها .. لقد كان
ميلاد العذراء هو بدا الفرح لأنه
ميلاد المستودع الذي يحل فيه رب
المجد .. ولأنه علامة على أن الرب
قد بدأ يرضي على الأرض وأنه قد قر
ب زمان افتقادها لأنه مول العذراء
القديسة أبنه الصلوات و الأصوام
وأبنه الموعد أيضاً
3.
وفي اليوم الثالث من شهر كهيك
تعيد الكنيسة بعيد دخول العذراء
الهيكل للتعبد .
4.
وفي اليوم الرابع والعشرون من شهر
بشنس ، تعيد الكنيسة بعيد حضور
العذراء الطاهرة وبصحبتها السيد
المسيح " العائلة المقدسة إلى أرض
مصر " . ويوافق هذا التاريخ ، غرة
شهر يونيه ، ففي اليوم الأول من
شهر يونيه ، تحتفل الكنيسة بوصول
ركب العائلة المقدسة أرض مصر
المباركة . كانت مصر هي الوطن
الوحيد الذي وطأه الرب يسوع
بعيداً عن أرض المقدس ، فاستظل
بسمائها ، وشرب من نيلها ، وتكلم
لغتها القبطية ، وأسس كنيستها .
متي يصير يوم ( 24 بشنس ) الموافق
( 1 يونيه ) عيداً قومياً لمصر
وفي مصر ؟ فلو أن قدمي الرب خطتا
وطناً آخر ، تري ماذا كان يصنع
هذا الوطن إكراما للفتة المسيح
الكريمة ومبادرته العظيمة .
5.
وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر
طوبة ، تعيد الكنيسة بتذكار
نياحتها وانتقالها بالروح إلى
السماء .
6.
وفي اليوم السادس عشر من شهر مسرى
تحتفل الكنيسة بعيد صعود جسدها
الطاهر إلى السماء .
7.
وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر
بؤونه تعيد الكنيسة تذكار بناء
أول كنيسة على أسمها الطاهر . فقد
جاء في سنكسار ذلك اليوم : لما
بشر الرسولان بولس وبرنابا بين
الأمم آمن كثيرون منهم بمدينة
فيلبى وبنوافيها كنيسة على اسم
البتول والدة الإله وصار تكريسها
في هذا اليوم . لذلك اعتاد الآباء
قديما على تدشين الكنائس الجديدة
في هذا التاريخ بالذات 21 بؤونه
.ومما يؤكد هذه العادة ما أجراه
القديس باسيليوس أسقف قيصرية إذ
بني كنيسة باسم السيدة العذراء في
أتريب دشنت في الحادي والعشرين من
شهر بؤؤنه . ومما يعطي هذا اليوم
شهرة أن معجزة حل الحديد حدثت في
مثل هذا التاريخ كما جاء في ميامر
العذراء وميامر القديس كيرلس
بطريرك أورشليم .
8.
وقد أضيف إلى الكنيسة منذ سنوات
غير قليلة عيد ظهور وتجلي السيدة
العذراء مريم على قبة الكنيسة
المسماة باسمها في حي الزيتون في
مدينة القاهرة في اليوم الثاني من
شهر أبريل حسب التقويم اليولياني
وقد شاهد هذا الظهور ألوف من
أفراد الشعب مسيحيين وغير مسيحيين
واستمر هذا الظهور ما يقرب من
السنتين حتى صارت هذه الكنيسة
مزار بركه يأتي أليها المسيحيون
من مختلف العالم . وقدسا ثانية
يفدون أليها للربكة والتبرك .
الكنيسة تكرم العذراء مريم ايضا
في أمور كثيرة نذكر منها :
1 –
في تسمية الكنائس والأديرة باسمها
. 2 - في تسمية بناتها
باسمها .
3 –
في الصوم المسمى باسمها
. 4
–
في الاحتفال بأعيادها المقدسة .
5 –
في وضع صورتها المقدسة في الكنائس
ومنازل المؤمنين وإنارة الشموع
أمام صورتها المقدسة
6 –
في طقس وكلمات وألحان القداس
الإلهي . 7 –
في تمجيدات شهر كيهك .
تعال معي ايها الحبيب لنرى هذه
الأمور واحدة فواحدة ، ولعل أول
أمر تكرم به الكنيسة العذراء مريم
هو :
تسمية الكنائس والأديرة باسمها :
ما أكثر الكنائس والأديرة التي
بنيت على اسم العذراء . أما من
جهة الأديرة فإلى جوار دير
الراهبات بحارة زويلة يوجد على
اسمها ثلاثة أديرة للرهبان . دير
البراموس ، و دير السريان ، ودير
المحرق بالصعيد . كما أن هناك
بلاداً تسمى بأديرة على اسم
العذراء ، في حين انه لا يوجد بها
رهبنة أو رهبان مثل دير السيدة
العذراء في درنكة بأسيوط ، ودير
السيدة العذراء بأم القصور ببني
قرة محافظة أسيوط ، ودير السيدة
العذراء جبل الطير مركز سملوط
محافظة المنيا . وتسمية الكنائس
والأديرة على اسم العذراء أمر
يتفق مع إرادة الله ولا يضاده ..
فالكنائس كلها بيوت الله وقد دعي
اسمه عليها . والكنائس تبنى
لعبادة الله كغرض أساسي ، وهذا لا
يمنع أن يطلق عليها أسماء مختلفة
لتمييزها عن بعضها البعض . كما
سمي الهيكل قديماً تمييزاً له عن
هيكل داجون وأرطاميس والهياكل
الوثنية الأخرى . وكما تطلق
الأسماء على الأشخاص والأقاليم
والمدن والشهور والأيام والأعياد
والأصوام والمؤسسات المختلفة
والشوارع وغيرها .
وإذا كانت الكنائس في عهد الرسل
سميت بأسماء البلاد كنائس آسيا
وأفسس وسميرنا أو بأسماء الشعوب
ككنيسة اللاؤدوكيين وكنيسة
التسالونيكيين أفلا تسمى الكنائس
على اسم العذراء من باب أولى أو
الرسل والشهداء والملائكة ليس على
أساس أن الكنائس قد أقيمت خصيصاً
للقديسين بل هي تقام لعبادة الله
، إنما إطلاق أسماء القديسين
عليها مجرد واسطة وليس غرضاً في
حد ذاته . فكأننا نقول كنيسة الله
التي على اسم العذراء أو على أسم
القديسين ..
وإذا كان الله قد سمي نفسه بأسماء
قديسيه ، ففي العديد من المرات
يقول أنا إله إبراهيم واسحق
ويعقوب أفلا تسمى كنائس الله
بأسماء قديسيه ؟ وإذا كانت
الشريعة سميت بشريعة موسى وهي في
معناها شريعة الله ، وكذلك رؤيا
إشعياء النبي ومزامير داود مع
أنها ليست من كلام الأنبياء ، بل
من وحي الروح القدس إلا أنها سميت
بأسماء كاتبيها تمييزاً لها عن
الأسفار الأخرى .وذكر في سفر
الرؤيا أن أسماء الإثنا عشر
رسولاً دونت على أسس الكنيسة
السماوية أفهل من الغرابة أن تدون
على الكنيسة التي على الأرض .كان
الإمبراطور هارديان 117
–
138م يركب مركبته ويسير في النيل
أمام المنطقة المعروفة بوادي
انصنا فهاجمته رياح البحر
وأعاصيره فخالجه الظن أن هذا من
غضب الآلهة عليه ، ولابد من ضحية
ترضي الآلهة ، وكان معه عبده
أنتيو أو أنطونيوس الذي لما شعر
بهذا ألقى بنفسه في البحر حباً في
سيده وإكراماً له ورغبه في نجاته
. وبعد أن هدأت الرياح بفعل
الطبيعة وخرج الملك سليماً فدعا
أسم المكان أنتيوبوليس أي مدينة
أنتيو وهي المنطقة الواقعة شرق
بلدة البياضية بمركز ملوي بالصعيد
، تكريماً لعبده أنتيو الذي ضحى
بحياته رخيصة حباً في سيده الملك
. فإذا كان الملك قد أطلق اسم
خادمه على عاصمة ملكه آنذاك
إكراماً في تضحيته لأجله فهل يكون
غريباأن يطلق على الكنيسة أسماء
العذراء والقديسين ؟! والله نفسه
يحب قديسيه ويحب تكريمهم ومن
يكرمهم ، أليس هو الذي قال من
يكرمكم يكرمني .
وفي تكريم القديسين تكريم للفضيلة
ذاتها وتقدير وتعظيم للمثل العليا
. وفي إطلاق أسماء القديسين على
الكنائس إظهار لهذا التكريم .
وبهذه الوسيلة التكريمية تحقق
الكنيسة أغراضها العليا فينا ،
فالقديسون لا يحتاجون الي تكريم
أرضي . إذ هم يتمتعون بأعظم تقدير
و سعادة و بهاء مع الله في
السماء. لكن في تكريمنا لهم و
إحياء ذكراهم علي الأرض فائدة
عظمى لنا لأنهم يحملون في ذواتهم
الفضيلة في صورة متجسدة و القداسة
في صورة متجسمة و الإنجيل المعاش
"
لذلك اعتاد المسيحيون ان يقيموا
المذابح و يشيدوا الكنائس فوق
الامكنة التي استشهد فيها
القديسون او فوق قبورهم و أماكن
أجسادهم كما اعتادوا ان يضعوا
ذخائر أجسادهم تحت المذبح تخليداً
لذكراهم . و التاريخ نفسه يذكر أن
الرسولين بولس و برنابا أسسا
كنيسة علي اسم السيدة العذراء في
مدينة فيلبي .
من بين وسائل تكريم الكنيسه
للقديسه البتول الطاهره مريم
العذراء انها تطلق اسمها المبارك
علي بناتها . و يكاد أن لا يخلو
بيت من اسم مريم أو ماري أو ماريا
أو ماريه أو مارينا أو ماريو أو
مارتينا تيمناً ببركات القديسيين
و تشفعاً بهم و اقتداء بسيرتهم .
إن أسم العذراء مريم كما يطلق علي
الكنائس فهو أيضاً يطلق علي
المؤمنات . حقاً إن اسم الأشرار
ينخر أما البار فإنه إذا حضر
أكرموه ، وإذا انصرف مالت نفوسهم
إليه ، والي الأبد يشتهر لابسا
إكليلا غالبا جهاد المعارك التي
لا دنس منها. لأنهم يحيون إلى
الدهر فذكر الصديق يدوم إلى الأبد
للبركة وبيوتهم تثبت .أما الشرير
فان ذكره يباد من الأرض ، ولا أسم
له على وجه البر لأن الرب بعيد
عنهم فينقلون ولا يكونون. لذلك
قال السيد المسيح له المجد طوبى
للودعاء لأنهم يرثون الأرض .. قد
يسأل البعض و أي أرض هذه التي
يرثها الودعاء والقديسون و قد
تجيب يا أخي أنها الأرض الجديدة
المذكورة في سفر الرؤيا مع السماء
الجديدة . الأرض الروحية ، ولكني
أقول لهم أنهم يرثون أيضاً الأرض
المادية . أرض عالمنا هذا .
الودعاء بوداعتهم ينالون محبة
الناس وتقديرهم على الرغم من أنهم
قد لا يتركون في الأرض ميراثا .
إنما يتركون من بعدهم سيرة وذكري
عطرة ، تسود وتسيطر على أفئدة
الناس وقلوبهم . والعذراء مريم
مثال للوداعة الكاملة ، فالفم
الذي قال : أنزل الأعزاء عن
الكراسي ورفع المتضعين . شتت
المستكبرين بفكر قلوبهم كان فما
متسربلا بالتواضع . نطق عن ذاته
وقال لأنه نظر إلى أتضاع أمته .
لذلك نحن نفتخر بالقديسين مع أنهم
فقراء لكن حياتهم امتدت بعد
مماتهم إذن فقد ورثوا الأرض ،
فمثلا لا يوجد من يسمي ابنته
هيروديا أو يسمون أبنه نيرون أو
دقلديانوس
…
ولكن يوجد كثيرون يسمون مريم
ودميانة ورفقة ومينا وبطرس وبولي
.. الخ . فهؤلاء القديسون عاشوا
بعد زمنهم ، والعالم الآن يعيش
سيرتهم الطاهرة ويقتدون بهم
ويسمون أولادهم على أسمائهم حتى
كما يحمل الطفل اسم القديس ، يحمل
معه سيرته وحياته أيضاً .ألا ليت
اسم العذراء مريم يدخل كل بيت
وتتغاضى بيوتنا المسيحية عن
الأسماء التي لا تكبر مع أشخاصها
إذا كبروا والتي قد لا يفهم منها
إذا كان المسمي مؤمنا أم غير مؤمن
، ليت بناتنا وأولادنا يأخذون
أسماء القديسات والقديسين ويحملون
أيضاً معهم سيرتهم وحياتهم
ومحبتهم .
|