|
للإسم أهمية قصوى ، فإسم الكائن
العاقل هو عنوان حياته، وفيه
مضمون غايته ورسالته، وهو جزء من
كيانه، وقطعة من وجوده، ومن
المكونات الأساسية لشخصيته.وحتى
الكائنات غير العاقلة، من جمادات
ونباتات وحيوانات ، لكل منها إسمه
الذى يدل عليه، ويعرف به ، وفيه
تتمثل صفاته التى تقوم عليهــا
هويته ، و قد يفقد الأسم معناه مع
مرور الزمن ، ولكن هذا الفقدان
مرده إلى جهل الناس بالمعنى الذى
يدل عليه ويشير إليه .. وقد يتغير
الإسم لفظاً ومعنى بتقدم السنين
والأجيال وقد يضاف إليه حروف، أو
تسقط منه حروف، وقد يتحول عن
منطوقه القديم، ومع ذلك قد يمكن
لبعض الناس ، والعلماء منهم على
الخصوص، أن يتتبعوا جذوره وأصوله،
ويتوصلوا إلى معناه .
يصدق هذا على الحجر والخشب
والحديد والذهب والنحاس وغيرها من
الجمادات ، كما يصدق على التفاح
والبرتقال والبلح والعنب والطماطم
والبطاطس وغيرها من النباتات، كما
يصدق على الأسد والنمر والضبع
والذئب والبقر والجاموس والماعز
وغيرها من الوحوش والبهائم
والدواجن والطيور والهوام
والحشرات.. كل منها له إسمه،
والذى يطلق عليه، ويتعين به،
وينفرد به عن سائر الكائنات
والأشياء التى من فصيلته أو نوعه
أو جنسه، فضلاً عن غيرها من
الفصائل والأجناس والأنواع...
اهتمام الله بالأسماء
ولعل أول إشارة إلى اهتمام الرب
الإله بالأسماء فى الكتاب المقدس
هى الواردة عن الأب الأول للجنس
البشرى إذ سماه الله (آدم) حيث
يقول: " وجبل الرب الإله آدم
تراباً من الأرض، ونفخ فى أنفه
نسمة حياة، فصار آدم نفساً حيّة.
وغرس الرب الإله جنة فى عدن
شرقاً، ووضع هناك آدم الذى جبله"
(تكوين2: 7،8) ومعنى آدم (التراب
الأحمر) وذلك نسبة إلى التراب
الأحمر الذى خلق الله منه جسد آدم
قبل أن ينفخ فيه نفخة الروح التى
على صورة الله ومثاله. والإسم
(آدم) هو من اللغات السامية،
ويقترب منه (أديم) الأرض، وهو
التراب، وكذلك لفظ (دم) وهو
السائل الأحمر الذى يجرى فى عروق
الحيوان بأنواعه.
والإشارة الثانية إلى اهتمام الله
بالأسماء هى الواردة أيضاً فى سفر
التكوين بالنسبة إلى الحيوانات
والطيور، التى خلقها الرب قبل أن
يخلق آدم ولم يكن قد أعطاها
أسماءها، فأتى بها الي آدم و أمره
أن يعطى لكل منها إسماً يختاره له
(3) ، وذلك توكيداً
للسلطان الذى منحه الرب لآدم وعلى
سمك البحر وعلى طير السماء، و علي
البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى كل
حيوان وعلى جميع الدبابات التى
تدب علىالأرض (تكوين1: 26،28)
ويقول الوحى الإلهى: "وجبل الرب
الإله من الأرض جميع حيوانات
البرية وجميع طيور السماء،
فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا
يسميها. فكل ما سماه به آدم ذات
نفس حية فهو إسمه. فدعا آدم جميع
البهائم وطيور السماء وجميع
حيوانات البرية بأسماء" (تكوين2:
19،20).
وزاد آدم على هذا بأن أعطى إمرأته
التى خلقها الله من ضلعه، إسمها
الذى عرفت به إلى اليوم وإلى
الأبد "وسمى آدم امرأته (حواء)
لأنها أم لكل حى" ( مبيناً الوحى
بهذا، ليس فقط سلطان آدم على
زوجته بأن أعطاها إسمها، بل
وأيضاً الحكمة فى اختيار هذا
الإسم، وأنه إسم ذو معنى ومغزى
(حواء لأنها أم كل حى) أى
(حياة).ولما قتل قايين أخاه هابيل
(ومعنى اسمه: نَفَس أو بخار)، منح
الرب للأبوين الأولين ابناً
بديلاًَ عن هابيل الذى فقداه
بالموت، فتسمى باسم (شيث) أى (عوض
أو بديل). قال الكتاب المقدس:
"وعرف آدم امرأته أيضاً، فولدت
ابناً، ودعت اسمه شيثاً، قائلة
لأن الله قد أقام لى نسلاً آخر
عوضاً عن هابيل، لأن قايين كان قد
قتله" (تكوين25:4).
لابد أن آدم كان على درجة ممتازة
من العلم الإلهى حتى إنه إستطاع
أن يعطى لذلك العدد العظيم جداً
من الحيوانات والطيور والدواجن،
بل والدبابات أى الهوام والحشرات،
أسماءها التى عرفت بها بعده إلى
اليوم، ولم يراجعه الرب فى شئ من
ذلك بدليل قول الوحى المقدس: "
فكل ما سماه به آدم ذات نفس حية
فهو إسمه" وهذا فى حد ذاته بينة
ما بعدها بينة على أن آدم كان فى
أول خلقه نبياً، وعالماً معصوماً
من الخطأ، ولم يفقد هذا الإمتياز
وهذه الميزة إلا بعد أن عصى ربه،
وأكل من الثمرة المحرمة المنهى
عنها.
ويمضى الكتاب المقدس على نفس
النهج فى اختيار الأسماء فيبين
لماذا سمى الإبن الأول لآدم وحواء
باسم قايين أى (اقتناه). يقول:
"وعرف آدم حواء امرأته فحملت
وولدت (قايين)، وقالت (اقتنيت)
رجلاً من عند الرب" (تكوين1:4).
والخلاصه أن لكل إسم معنى، وأن
لله قصداً فى اختيار الأسماء.
لذلك لم يكن عبثاً أن يجئ الملاك
جبرائيل إلى العذراء القديسة مريم
يحمل إليها (إسم) المسيح الذى
سيولد منها، قبل أن يحل فى
أحشائها ويتخذ له جسداً منها ومن
الروح القدس، فيقول لها: "وها أنت
ستحبلين وتلدين ابناً، تسمينه
يسوع" فلم يترك لها حق اختيار
إسم المولود الإلهى، ولكنه عرفها
بالإسم المختار من السماء. وقد
كان هذا الإسم ذا معنى، ومغزى،
ورسالة، فهو بمعناه اللفظى يدل
على الرسالة التى تجسد الله
الكلمة من أجلها، والتى تحدد
السبب الرئيسى العظيم للتجسد
الإلهى، وتعين الحكمة من سر
التجسد العجيب. وقد قال الملاك
جبرائيل ليوسف البار عن العذراء
مريم خطيبته البكر البتول: "وستلد
ابناً وتسميه يسوع، لأنه هو الذى
يخلص شعبه من خطاياهم" (متى21:1)
وهنا يكشف الوحى الإلهى عن سر هذا
(الإسم) العظيم الذى اتخذه الله
الكلمة ليعرف به بين الناس، إنه
(يسوع) وبالعبرانية (يشوع) (أى
يهوه مخلص) لأنه (يخلّص) شعبه من
خطاياهم.
|