مقـــالات   

 

لقاء الأحد : فلنسلك بنظام و تدقيق (1)

 

النظام فضيلة جميلة ينبغي أن نعتني بتنفيذها في حياتنا الروحية و الجسدية ، وكنيستنا القبطيه عرفت بالكنيسة التقليدية ، و التقليد هو " نظام " و " طقس " خاص ، و لذلك نري أمر الرسول بطرس للكنيسة " أخضعوا لكل ترتيب بشري من اجل الرب " (1 بط2 : 13)، ويطلب إلينا الرسول بولس أمراً " انذروا الذين بلا ترتيب " ( 1 تس 5 : 14)  بل و يحذرنا قائلاً " ثم نوصيكم أيها الأخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنبوا كل اخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التعليم الذي أخذه منها ، إذ انتم تعرفون كيف يجب أن يتمثل بنا لأننا لم نسلك بلا ترتيب بينكم " ( 2تس 3: 6،7) . و يمتدح الرسول كنيسة كولوسي من أجل ترتيبها ونظامها فيقول : " فإني و إن كنت غائباً في الجسد لكني معكم في الروح فرحاً و ناظراً ترتيبكم و متانة إيمانكم في المسيح " (كو 2: 5). و يندد اسطفانوس رئيس الشمامسة باليهود لأنهم لم يحفظوا ترتيب عقائدهم ، إسمعوه يقول : " أنتم الآن صرتم مسلميه وقاتليه. الذين أخذتم الناموس بترتيب ملائكة و لم تحفظوه " (أعمال 7 : 3) . و أما الرسول بولس أيضاً فبعد ان أوصى كنيسة كورنثوس عدة وصايا و توجيهات . قال لهم "وأما الأمور الباقية فعندما أجئ أرتبها " (1 كو11 : 34 ) . إذاً فهناك ترتيبات كنسية وهي بخلاف التعاليم و الوصايا التي ذكرت في الرسائل ، و الدليل علي ذلك أن الرسول يوصي فيقول " اثبتوا إذاً أيها الأخوة و تمسكوا بالتقليدات التي تعلمتوها سواء كان بالكلام أو برسالتنا " ( 2 تس 2 : 5 ) . إذاً هناك نوعان من التعاليم قام بها القديس بولس الرسول: تعاليم مكتوبة في الرسائل و مدونه في الكتاب المقدس و تعاليم " بالكلام " ، و هذه هي الترتيبات الطقسية والأنظمة التقليدية التي تنادي بها كنيستنا ، الدليل علي ذلك أن الرسول يقول لكنيسة فيلبي " و ما تعلمتموه و تسلمتموه و رأيتموه فيّ هذا افعلوا " (في 4 : 9) . إذاً فهناك أمور " تعلموها "  و أمور " تسلموها " و أمور " سمعوها " و أمور " رأوها " . و هذا لا يغني عن ذلك . و دليل آخر لا يعوزه الشك في هذا الشأن ، أن يوحنا الرسول يقول في رسالته : " إذ كان لي كثير لأكتب إليكم لم أرد ان يكون بورق و حبر . لأني أرجو ان آتي إليكم و أتكلم فماً لفم لكي يكون فرحنا كاملاً " .

أشتهر أحد الأطباء في أحد المدن بطيبته و التدقيق في حساباته ، حتى انه إذا أرسل إليه أحد هدية يقدر قيمتها و يدونها بدفاتره، وقد لاحظ رجال الضرائب ذلك و استفسروا فعرفوا عنه الكثير من أعمال أمانته و صاروا بعد ذلك لا يفتشون دفاتره قط بل يسألونه كم عندك للحكومة ؟ و ما يقوله يصدق عليه بلا تردد.

المثال العالمي الشهير مايكل أنجلو الشهير بإتقانه لتماثيله كان يشتغل في عمل تمثال ملاك من قطعة من الرخام الأبيض ، و كلما يقترب من نهاية العمل يصبر عليه ، مزاولاً بعض الإصلاحات بكل الطرق الممكنة فرآه رجل و هو يعمل ثم مضي الرجل و بعد فترة رآه مرة أخرى و مرات و هو يعمل و أخيراً تقدم الرجل و قال : أنا لا أري أنك اشتغلت فيه شيئاً يذكر منذ رأيتك أول مرة  . فأجاب الفنان : بالعكس فقد عملت ، فإنه هنا كان ضخماً أكثر مما يجب فأصلحته و قد وضعت هذا الشريان في هذا المكان أحسن من قبل ، و جعلت هذا الذراع مستديراً و حسنت هذه الشفة ، كما حسنت الذقن و أصلحت هيئة الوجه . فقال الزائر :  ما هذه إلا أمور جزئية  . فرد عليه الفنان قائلا: أن ملاحظة الجزئيات هي التي تساعدني في اتقان عملي ، و الإتقان ليس أمراً جزئياً ...  هكذا كل من ينشد حياة الكمال ، عليه أن يجتهد في إصلاح هذا العيب و ذاك الخطأ و يهتم بالأمور الصغيرة التي لا يعيرها المهملون التفاتاً و التي هي علة ضعفهم و نقصهم .

كان أحد الأتقياء يعبر الطريق في أشعة الشمس الحارقة صيفاً مفضلاً ذلك عن المرور في ظل احد الملاهي المقام في الجانب الآخر من الشارع  و قال آخر أنه لم ينظر قط إلي صورة رديئة عمداً لأن النظر إلي ذلك " يدنس قلبه " كما أختبر و عندما سئلت سيدة عن السبب الذي يجعلها تأتي باستمرار مبكرة لاجتماعات الكنيسة قالت لأن عدم إزعاج الآخرين هو جزء من ديانتي .

عندما يرى البعض إنساناً مدققاً و يسلك بالطريق المستقيم يقولون له تلك العبارة المألوفة "فتح مخك " فهل يا ترى هذه العبارة تسد في كافة نواحي الحياة ؟ .هل تقول للتلميذ " فتح مخك " من جهة الجهاد في الدراسة و لا تهتم لكي تنجح ؟! وهل تقول للمحاسب " فتح مخك " و لا تهتم كثيراً بضبط الأرقام للحصول علي نتائج صحيحة ؟! وهل تقول للمهندس " فتح مخك " و لا تدقق كثيراً في أصول الهندسة و سوف يكون المبنى علي ما يرام ؟! وهل نقول للكيميائي " فتح مخك " و لا تدقق في ضبط مقادير المواد و سوف يكون كل شئ حسناً ؟! وهل نقول لقائد الفرقة الموسيقية " فتح مخك " و لا داعي لضبط الأوتار و سيكون اللحن رائعاً ؟! وهل نقول للمصور " فتح مخك " و لا تدقق كثيراً و سوف تكون الصورة رائعة الجمال ؟! وهل نقول للمثال " فتح مخك " و التمثال سيكون في غاية الإبداع بدون تدقيق . وهل نقول للقائد " فتح مخك " لا تدقق في التصويب نحو الهدف و سوف تحقق غايتك ؟! وهل نقول للمسافر " فتح مخك " و لا تدقق في معرفة الطريق لأنك ستصل إلي مكانك المقصود مهما كان الأمر ؟! .. إذا كانت الإجابة في هذه كلها هي لا  فهل يجوز التدقيق في كل شئ ما عدا الأمور الروحية التي تقرر حياتنا هنا و مصيرنا الأبدي في عالم الخلود ؟! أخيراً اهمس في أذنك ، لا يجوز لك أن تفتح مخك مع الموظف الذي يفتح لك درج مكتبه لتضع فيه رشوة لأجل قضاء حاجتك، فإن الوحي الإلهي يقول " ملعون من يأخذ رشوة " (تثنية 27 : 25) "مبغض الرشوة تطول أيامه" (أمثال 28 : 16).

لقد دعانا الوحي الإلهي لحياة التدقيق .. انه لا ينهانا عن القتل فقط بل عن الغضب ويعتبره قتلاً بقوله " من يبغض أخاه فهو قاتل نفس " .. لا ينهانا عن الزنى فقط بل عن النظرة الشهوانية و يعتبرها زنى بقوله "من نظر إلي امرأة واشتهاها فقد زنى بها في قلبه". لا يمنعنا عن الشر الذي نشك فيه أنه شر ، بل يأمرنا أن نكون قديسين " نظير القدوس الذي دعانا " و يطلب منا أنه كما سلك السيد المسيح "ينبغي أن نسلك نحن أيضاً " . و امام هذه المقاييس العالية لابد من التدقيق .

سمع الغلام الصغير رجلا صالحاً يقول : " إن الله سيلقي الأشرار في جحيم النار " ، فارتعد الصغير و بكي   فاقترب إليه واحد من الجمع و قال : لماذا تبكي أيها الصغير ؟ فقال :أخاف عذاب النار فسأله الرجل : لكنك لم تأت شيئاً تستأهل من أجله نار الجحيم ! فقال : و كيف علمت ذلك ؟ فقال الرجل : لأنك صغير ، و خطاياك صغيرة مثلك ، و لم تأت كبائر الشرور . فقال الغلام : و هذا ما يخيفني أكثر . فأندهش الرجل و سأله : لماذا ؟ فقال الغلام : لأني رأيت أمي تشعل النار لتطهو الطعام ، و لاحظت انها تبدا بصغار العيدان و لا تضع كبارها إلا بعد ان تحترق الصغار جميعاً و لهذا أخاف النار من أجل أخطائي الصغيرة ...حقا ان ذرة الرمل مهما صغرت ، لا يستهان بها إذا دخلت ساعة يدك والأمين في القليل أمين في الكثير أيضاً ، و الذي يسرق بيضه يمكنه ان يسرق أيضاً جملاً . و سارق الشلن أو الفلس خائن  . والخطيئة الصغيرة مثل حبة الرمل في العين . و لا تحتاج السفينة إلي ثقبين لتغرق فثقب واحد يكفي ؟ !

قامت إحدى الشركات بترميم إحدى السفن فبلغت تكاليف الترميم عشرة آلاف من الجنيهات و كان سبب ذلك سبعة فيران أهمل شأنها فعاثت في تلك السفينة فساداً ، فكأن الفأر الواحد أفسد أكثر من ألف جنيه ..  لنحذر إهمال المتلفات الصغيرة لأن تلفها يكون عظيماً بقدر إهمالنا.

وقف أحد الأشخاص في أحد الاجتماعات الروحية و صرخ قائلاً " كنت أنا و أربعة من زملائي في مدارس الأحد و دعتنا خادمة الفصل في أحد الليالي إلي منزلها و هناك سمحت لنا ان نلعب الورق " الكوتشينة " و انا أقول لكم نتيجة ذلك ، اثنان من زملائي ماتا نتيجة السكر بالخمور و اثنان حكم عليهما بالإعدام ، و بقيت وحدي ، و لو علمت الحكومة من أنا و ماذا صنعت فما كان يمكن ان أكون معكم الليلة . حينئذ صرخت امرأة عجوز صرخة مرعبة مؤثرة " يا إلهي أنا هي المدرسة " ، ثم سقطت مغشياً عليها من شدة التأثر ، ذلك أنها بعدم تدقيقها و سماحها بلعب الورق " الكوتشينة " قادت نفوساً ثمينة إلي الخراب والهلاك .