|
لا تزال تتردد علي الأفواه هذه
الكلمات ( بعد العيد ما يفتلوش
كعك ) . و معناها واضح لا يحتاج
الي ايضاح يفهمها الطفل الصغير
قبل الرجل الكبير و هو ان العيد
هو فرصه لعمل الكعك فاذا مر العيد
و مباهجه و استعداده دون ان يعمل
فيه الكعك فلا ينتظر ان يعمل بعد
العيد . و لذلك تري هذه الكلمات
يرددها كل واحد منا عندما يري
صاحبه يريد تفويت الفرصه عليه . و
مع ان هذه الكلمات الحكيمه كثيره
الورود علي الأفواه الا أنها
قليله العمل بها و اذا عمل بها
أحد فعمله يكون قاصرا علي الناحيه
الماديه المنحطه حسب ظاهرها
الحرفي فينتهز فرصه الكعك و ما
اليه من شهوات البطن و أشباع
النهم الذي لا يقدم بل يؤخر
تقدمها و يحدها بالموت الذي يأتي
عن طريق التخمه وليده الشر . أن
هذه الحكمه و أن وضعت في قالب من
قوالب الكعك و البسكويت فهي ككل
الأمثال التي توضع في قوالب ماديه
مشاهده ملموسه الا انها تحمل في
جوفها أسمي المعاني الروحيه
السماويه . فمهما سال لعاب
النهمين عند ذكر هذه الحكمه و
مهما ركز البعض عقولهم و أفكارهم
علي حرفيه الكعك فأنها تعني
أغتنام الفرصه أو أفتداء الوقت
علي حد قول الرسول ( فأنظروا كيف
تسلكون بالتدقيق لا كجهلاء بل
كحكماء مفتدين الوقت لأن الأيام
شريره ) . فالكعك هنا هو الوقت .
هو الفرصه . هو الآن و أفتداؤه هو
أغتنامه فالكعك نشيريه أو نغتنمه
بطريق البذل . هكذا الوقت أو
الفرصه نغتنمها أو نقتنصها من يد
عدو الخير و ذلك بالبذل و التضحيه
و الحذر . و هل يكسب الأنسان شيئا
دون أن يبذل في سبيله مجهودا أو
شيئا آخر ؟ قال السيد المسيح في
أمثاله المشهوره ( تاجر يطلب
لآليء حسنه فلما وجد لؤلؤه واحده
كثيره الثمن مضي و باع كل ما كان
له و أشتراها ) و ما الفرصه الا
لؤلؤه ثمينه يجب أن نشتريها أو
نقتنصها من قبضه الكسل و الخمول و
الأهمال لنجعل منها خادما للخير و
الصلاح و الأجتهاد . و قد أوضح
الوحي الألهي ضروره و أسباب
أنتهاز الفرصه بقوله ( لأن الأيام
شريره ) . لأن سوق الفضيله فيها
كساد و السماسره الذين يروجون
للرذيله كثيرون و كثيرون جدا .
حتي أن بعض دعاه الفضيله قد
انحازوا الي جانبهم عندما علموا
ان ( العالم كله قد وضع في الشرير
) فسلموا رايه سيدهم و نكسوا علم
الفضيله و رفعوا عنه علم ابليس .
علم الرذيله و الفساد. و قالوا
مالنا و للبضاعه الكاسده التي
يعاقب كل من يتاجر بها و التي لا
تتفق مع مصلحه رئيس هذا العالم (
ابليس ) . و ما لنا نعرض أنفسنا
لمقاومه و اغلاق الأبواب في
وجوهنا . فراحوا يحولون دفه
الحياه الي اتجاه لا تعاكسه أنواء
الشيطان عدو الخير منتهزين كل
فرصه لأشباع الشهوات و ما أكثر
هذه الفرص التي يقدمها لهم عدو
الخير لأنه قيل أن الأيام شريره .
و ما أكثر الناس الذين يظنون كما
كان يظن القديس أوغسطينوس قبل
توبته أن الأوقات و الحياه قد
جعلت للملذات الجسديه حتي كان
جالسا ذات يوم في حديقه المنزل
يفكر في شروره فسمع هاتفا يقول له
( خذ و أقرأ ) فقرأ في الكتاب
المقدس ( لا بالبطر و السكر . لا
بالمضاجع و العهر لا بالخصام و
الحسد ) و من تلك الساعه قرر أن
يعيش حياته لله . فلا يقال ان
فلان أغتنم الفرصه أو أفتدي الوقت
اذا كانت الفرصه أغتنمت في الأكل
و الشرب و الشهوات و الوقت صرف في
فعل الشر لأن الأيام شريره و
الوقت في قبضه الشيطان . و لكن
اذاما أقتنصنا الفرصه و الوقت من
قبضه الشرير و صرفناها في فعل
الخير فهذا يدعي أنتهازا للفرصه و
أفتداء للوقت بمعني أننا أنقذنا
ساعه أو يوما من يد الشرير و
صرفناها في فعل الخير و الصلاح .
و الا فكيف نقول أننا أفتدينا
فلانا من الموت اذا كنا علقناه
بأيدينا في حبل المشنقه فكل فرصه
نصرفها في الكسل و الشر فهي فرصه
ضائعه و وقت مقتول .
ان الفرصه المغتنمه هي ما كانت
للتوبه عن الخطيه و الشر و العوده
الي البر و الصلاح كما يقول النبي
( فأنه وقت لطلب الرب ) و كما
يقول الرسول ( في وقت مقبول سمعتك
و في يوم خلاص أعنتك . هوذا الآن
وقت مقبول . هوذا الآن يوم خلاص )
و قوله ( هذا و أنكم عارفون الوقت
. أنها الآن ساعه لنستيقظ من
النوم فأن خلاصنا الآن أقرب مما
كان حين آمنا . قد تناهي الليل و
تقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمه
و نلبس اسلحه النور . لنسلك
بلياقه كما في النهار ) .
و لما كانت الحياه غير معروفه
المدي و لا في ايه ساعه من ساعات
نهار الحياه نموت كانت الساعه
التي نحن فيها و اللحظه التي
نحياها هي الفرصه التي أن ننتهزها
في غير تسويف و لا أبطاء فهوذا
أهل نينوي قد أنذرهم يونان النبي
بأن الله سيدمر مدينتهم بعد
أربعين يوما اذا كانوا لا يتوبون
فلم يؤجلوا التوبه يوما واحدا مع
ان لهم مهله أربعون يوما . بل
قاموا في الحال و لبسوا المسوح و
رقدوا علي التراب في صوم و صلاه
منتهزين الفرصه و مغتنمين الوقت و
صرفوه في التوبه و طلب الغفران و
خافوا من الوقوع في الخطأ الفظيع
الذي يقع فيه الكثيرون ممن
اعتادوا تسويف الأمور . الذين لا
يدركون أن الخطر و كل الخطر في أن
يهملوا الأمر ثم يحاولون بعد ذلك
أن يساوموا الأيام في استرداده .
أذا ناداك الله للتوبه فلا تؤجل
الي الغد لأن بعد العيد لا يفتلون
كعكا . فبعد فوات الوقت لا يقدمون
توبه . فهوذا الآن وقت مقبول لأن
الغد غير مضمون و أنت لا تدري متي
تدركك المنيه و تحضرك الوفاه و
يعاجلك الموت . فاذا جعلت (الآن )
يمر و الفرصه تضيع دون أن تلبي
النداء للتوبه يأتي وقت تطلب
التوبه بدموع كما طلبها عيسو فلا
تجدها . فالله يقول لك ( الآن )
هو الوقت المقبول . ( الآن ) هو
وقت الخلاص .
قيل أن أحد القواد الرومان ثار
علي الأمبراطور و بعد أحدي الحروب
أخذ القائد أسيرا و جيء به أمام
الأمبراطور فقال له (أني أمنحك
عفوي و أردك الي مقامك و أرجع
اليك سيفك و أمتيازاتك اذا أقسمت
لي بشرفك العسكري يمين الأخلاص و
الولاء ) فقال له القائد ( أعطني
وقتا لأتأمل و أفكر) فقام
الأمبراطور و رسم بسيفه دائره
حوله و حول القائد و قال له (
الآن قبل أن تخرج من هذه الدائره
أعطني جوابك فأما قلبك أو تؤخذ
روحك منك ) … و اذا ما شدد الله
علينا و ضيق الحصار و رسم بسيف
عدله حولنا دائره ضيقه و قال (
الآن ) هو الوقت المقبول فما ذلك
الا لفرط رحمته و شفقته علينا
لأنه يعلم أن ( الآن ) الذي نتنفس
فيه هو الذي نضمنه . أما ما يأتي
بعده فغير مضمون . لذلك يشدد
علينا قائلا ( الآن ) …
طلب طيباريوس قبل أن يكون قيصرا
مقابله ديوجانيس الفيلسوف فأجل
ديوجانيس هذه المقابله الي سبعه
أيام و في هذه الأثناء صار
طيباريوس قيصرا فراح ديوجانيس
يترامي علي أعتابه و يطلب
المقابله فرفضت الي الأبد و صار
ديوجانيس شريدا طريدا . و اليوم
يعلن الله قائلا أنني أطلب من
الجميع أن يتوبوا و سأتغاضي عن
أزمنه الجهل فاذا لبينا الدعوه
صرنا مقبولين لديه و أن قلنا غدا
أو بعد غد أو عندما يذهب الشباب و
تحل الشيخوخه حينئذ نتوب فيأتي
الموت بغته و يختطفنا في غير
أمهال . نطلب التوبه فلا نجدها
نرجو الملاقاه فنحرم الدخول و ترن
في أذاننا تلك الحكمه المأثوره (
بعد العيد مافيش فتل كعك )
لقد صور القدماء الفرصه علي هيئه
امرأه لها شعر طويل مدلي علي
وجهها . اما قفاها فأصلع بدون شعر
يسترسل علي ظهرها و هم يريدون
بهذه الصوره أن يعلموا الناس أن
الفرصه يجب أنتهازها عند أقبالها
حيث نستطيع جذبها من مقدمها . اما
اذا مضت و ولت فلا يمكن استرجاعها
اذ لا شعر في قفاها يمكن جذبها
منه .
هناك شباب ينهمك في جمع المال و
ينتظر الوصول الي أرقي الدرجات و
يؤجلون زواجهم في الشبوبيه حتي
يحصلوا علي ما يرغبون فتكون
النتيجه كالتي أصابت ذلك الشاب
الذي نزح الي امريكا و هناك جد و
أجتهد حتي جمع ثروه طائله و عاد
الي بلاده و أخذ في أقامه الحفلات
الساهره و كله أمال أن تقبل
الفتيات عليه و يلتففن حوله لكثره
أمواله و وفره غناه . نعم وجد
أقبالا علي موائده و أيادي تمتد و
أفواه وشفاه تنفرج لتناول اطعمته
و لكنه لم يجد فما يقع علي وجنتيه
و لا قلبا خفق لرؤيته الأمر الذي
ادهشه و كسر قلبه فتساءل عن هذا
الصدود فقيل له لقد أكتسبت اموالا
طائله و لكنك فقدت الشباب رأس
المال الحقيقي في نظر الشابات .
فلا تعجب اذا كنت لا تري منهن
شغفا بك و ميلا اليك لأنه ( بعد
العيد ما يفتلوش كعك )
|