|
هوذا نحن في بدايه عام جديد ، و
من المعروف أن كل إنسان يحب أن
يبدأ عامه الجديد بالتوبة و
النقاوة . وهذا الامر يحتاج منه
إلى جلسة مع نفسه لكي يحاسبها و
يلومها على أخطائها . حقا ما
اعظم فضيلة لوم النفس .لأن الذي
ليست له فضيلة لوم النفس ، لا
يعرف أن يجلس مع نفسه . و إن جلس
مع نفسه لا يستفيد . و ما دام لا
يلوم نفسه فسوف لا يعترف بخطاياه
، و بالتالي سوف لا يتوب ، و يظل
العام الجديد كسابقه ، بنفس
أخطائه! اما الذي يلوم نفسه ،
فأنه يستطيع ان يعرف حقيقة نفسه
... كثير من الناس نفسوهم مغلفة
بالتبريرات و الأعذار و الفهم
الخاطئ . وهم لا يلومون أنفسهم ،
لأنهم يدللون أنفسهم ، و يعذرون
أنفسهم في كل شئ . إنهم لا يقبلون
إطلاقاً أن يأتوا باللائمة على
أنفسهم ، لذلك لا يعرفون حقيقة
ذواتهم . وقد تبقى ذات كل منهم
جميلة في عينيه ، على الرغم من كل
نقائصها ! مثل هذا الإنسان ، الذي
لا يلوم نفسه ، و بالتالي لا يعرف
حقيقة نفسه ، هو محتاج أن يأتيه
اللوم من الخارج . هو في مسيس
الحاجة إلى إنسان من الخارج يلومه
، و يعرفه حقيقة نفسه ، و يفهمه
أخطاءه و مواضع الزلل في تصرفاته
، بل و يعرفه مقدار عمق خطيئته ،
و يبكته عليها مادام ضميره لم
يبكته . وقد فعل الله هذا مع داود
، حينما ارسل إليه ناثان ، ليلومه
ويعرفه كم هو مخطىء، ويقنعه ان
يقول (أخطات إلى الرب) (2 صم 12 ك
13) . وفى مرة أخرى ، لم يكن داود
يلوم نفسه أيضا ، فأرسل له الله
أبيجايل لتعرفه مقدرة الخطأ الذى
كان هو مزمعاً أن يقع فيه ، لكى
تمنعه عن لك . و بالفعل إستجاب
داود وقال لها (مبارك عقلك
ومباركه أنت ، لانك منعتنى اليوم
عن إتيان الدماء وانتقام يدى
نفسى) (اصم 25:23) إذن إن كان
الإنسان لايلوم نفسه على اخطائه ،
بعد فعلها ، أو على أخطائه التى
هو مزمع ان يفعلها ، فقد يرسل له
الله من يلومه ، كما ارسل أبيجايل
وكما أرسل ناثان . ولكن الأفضل أن
يكون القلب من الداخل سليماً ،
فيلوم الإنسان نفسه . ولذلك قال
القديس مقاريوس الكبير :أحكم على
نفسك ، قبل أن يحكموا عليك .
إن الذي يلوم نفسه ، ينشغل بها
وبتقويمها . وفي خجله من أخطائها
، لا ينظر إلى خطايا غيره . وفي
ذلك قال القديسون : الذي ينشغل
بخطاياه ، لا يكون له وقت يدين
فيه خطايا أخيه .إن استطاع أن
يبصر الخشبة التي في عينه ، يخجل
في التحدث عن القذى التي في عين
أخيه ... و إنما كلما تحدث عن
غيره ، يقول : هذا أفضل ، وهذا
أبر مني . و مهما كانت خطايا
البار في عيني نفسه ، فإنه يجلس
ويلوم الآخرين ! وربما في نقائصه
وعيوبه ، ياتي باللائمة على غيره
. و على الظروف ، و على البيئة
... وعلى الناس الذين أوقعوه في
الخطيئة ، كما حدث لآدم إذ ألصق
السبب في خطيئته بحواء ... وقد
يلصق الإنسان السبب ، بالظروف
المحيطة ، كما برر إيليا هروبه
بقوله للرب " قتلوا أنبياءك
بالسيف ... وهم يطلبون نفسي
ليأخذوها " (1 مل 19 : 14) ...
وقد يلصق السبب بالبيئة ، كما حدث
أن أبانا إبراهيم قال عن زوجته
سارة إنها أخته ! ثم حاول أن يغطي
ذلك بقوله " إني قلت : ليس في هذا
الموضع خوف الله البتة ، فيقتلوني
لأجل إمرأتي " (تك 20 : 11) . ولو
كان إبراهيم يلوم نفسه ما قال هذا
. وكذلك لو كان أبونا آدم يلوم
نفسه ، ما لام حواء ، ولو كان
إيليا النبي يلوم نفسه ، ما لام
الظروف . ولكن الإنسان يلوم غيره
ويدينه ، لكى يبرر نفسه . ولأنه
لا يريد أن يلوم نفسه ، ولايريد
أن يلومه الناس ، فيلصق خطيئته
بغيره ليخرج هو بريئاً ... كثيرون
يغسلون أيديهم بالماء ، كما فعل
بيلاطس وقال (أنا برىء من دم هذا
البار). أترى استطاع ذلك الماء أن
يبرئ بيلاطس ؟! خير للإنسان أن
يلوم نفسه ، من أن يبرر نفسه .
والذي يلوم نفسه ، يعرف ضعفه ،
فيعذر غيره ولا يدينه . كما حدث
للقديس موسى الأسود ، الذي رفض ان
يدين راهبا مخطئاً عقد له مجمع
لإدانته . حمل هذا القديس على
ظهره كيساً مملوءاً بالرمال
ومثقوباً . ولما سئل في ذلك قال "
هذه خطاياي وراء ظهري تجري ، و قد
جئت لإدانة خطايا أخي " ! . الذي
يلوم نفسه ، إن سئل عن خطايا شخص
آخر ، يقول لسائله " إسألني عن
خطاياي أنا . أما ذلك الإنسان فهو
أبر مني . أخاطئ هو ؟ لست أعلم
(يو 9 : 25) .الذي يلوم نفسه ، لا
يقسو في الحكم على خطايا الآخرين
، كما فعل الفريسيون الذين طلبوا
رجم المرأة الخاطئة ، فقال لهم
السيد المسيح : من كان منكم بلا
خطية ، فليقذفها أولاً بحجر (يو 8
: 7) . ذلك لأن الذي يقذف
بالحجارة ، إنما يظن في نفسه أنه
بلا خطية ، أو على الأقل يكون في
ذلك الحين ناسياً لخطاياه ، وليس
في وضع من يلوم نفسه . اما الذي
يلوم نفسه ، فإنه يقول في فكره "
من أنا حتى ألوم الناس ؟ أنا الذي
فعلت كذا و كذا
… الاولى بي أن أصمت ما دام الله قد سترني
…
ترى لو سمح الله أن أنكشف ، أكنت
أستطيع أن أتكلم . هذا شعور من
يضع خطيئته أمامه في كل حين (مز
50) .ولكن للأسف فإن كثيرين ، من
أجل راحة نفسية زائفة ، أو من أجل
كبرياء داخلية و مجد باطل ، وليس
من أجل أبديتهم ، لا يحبون أن
يتذكروا خطاياهم ، ولا أن يلوموا
أنفسهم ، كما لا يقبلون أن يأتيهم
اللوم من آخرين ! ... يحبون أن
ينسوا خطاياهم ، وفي نفس الوقت
يذكرون خطايا الناس ... ! وما
الفائدة لهم في كل هذا ، سواء في
السماء أو على الأرض ؟! لا شئ .
حقاً ما اجمل قول القديسين :إن
دنا أنفسنا ، رضى الديان عنا . من
فوائد لوم النفس أيضاً : إصلاح
الذات و تنقيتها .فالذي يلوم نفسه
، يكون مستعداً لإصلاح ذاته . ما
دمت أعرف أن هذه خطية ، يكون عندي
إذن استعداد لكي أتركها . ولكن
كيف يمكن لإنسان أن يترك شيئاً ،
ما دام لا يلوم نفسه إطلاقاً على
عمله ؟! إذن لوم النفس يسبق بلا
شك تنقية النفس من أخطائها . هو
خطوة أولى إلى التوبة . أما تبرير
الذات ، فهو شيطان يلتهم التوبة و
يفترسها .
إن وجد الشيطان إنساناً يلوم نفسه
، و يريد ترك الخطية ويتوب ،
يحاول الشيطان أن يخرجه من هذا
النطاق الروحي ، و يقول له : لا
تظلم نفسك بلا داع . في أي شئ
أخطأت ؟ إن الموقف كان طبيعياً
جداً . لك عذرك في هذا الأمر . و
المسئولية تقع على فلان و فلان .
أو أن الظروف كانت ضاغطة . و
الضغوط الخارجية إضطرتك إلى هذا .
و الناس مقدرون هذه الظروف ، و
الرب يقدرها . فلا تحزن نفسك بلا
سبب ! هذا هو كلام الشيطان ،
أسلوب تبرير الذات.أما القديسون
فيقولون : في كل ضيقة تحدث لك ،
قل هذا بسبب خطاياي .إنك لن تخسر
شيئاً إذا لمت نفسك . بل إن هذا
يقودك إلى التوبة إن كنت مخطئاً ،
و ينميك روحياً إن كنت بريئاً .
وهكذا نجد ان لوم النفس يقودنا
إلى المغفرة
إن كنت تعرف إنك مريض ، فسوف تسعى
إلى الطبيب لكي تشفى ... وأما إن
أصررت على إنك سليم وصحيح ،
فحينئذ ستسمع قول الرب : لا يحتاج
الأصحاء إلى طبيب ، بل المرضى (مت
9 : 12) .إن العشار الذي لام نفسه
وقال " إني خاطئ " إستحق أن يخرج
مبرراً ، بعكس الفريسي الذي لم
يجد شيئاً يلوم عليه نفسه فقال :
أشكرك يارب إني لست مثل سائر
الناس الظالمين الخاطفين الزناة
(لو 18 : 11) . حقاً ما الذي
يمكنه أن يغفره الله لهذا الفريسي
(البار في عيني نفسه) ؟ ، الذي لم
يعرض خطيئة واحدة أمام الله
طالباً عنها مغفرة ... لو كان
خاطئاً مثل العشار ، لكان يطلب
الرحمة مثله . ولكنه يفتخر قائلاً
إنني " لست مثل العشار " . لم
يعترف بخطايا تحتاج إلى غفران ،
ولم يطلب غفراناً . فأبعد نفسه عن
المغفرة وعن التبرير بدم المسيح .
كذلك لم يقل الكتاب إن الله قد
برر الإبن الأكبر ، الذي هو أيضاً
لم يجد شيئاً يلوم عليه نفسه ، بل
أكثر من هذا غضب و ألقى اللوم على
أخيه و على أبيه. حقاً اية مغفرة
تعطي لمن يقول : قط لم أخلف وصيتك
.
ونفس هذا الإبن لم يطلب مغفرة ،
لأنه لم يجد في تصرفاته خطأ
واحداً يحتاج إلى مغفرة !! أما
أخوة الأصغر فقد تبرر لأنه لام
نفسه وقال لأبيه " أخطأت إلى
السماء و قدامك . و لست مستحقاً
أن أدعى لك إبناً ... " .إذن إن
كنت لا تدين نفسك فأنت تبدو باراً
في عيني نفسك ، بينما السيد
المسيح قال : ما جئت لأدعو
أبراراً ، بل خطاة إلى التوبة (مت
9 : 13) .
في هذا المجال نجد كثيرون
يقولون أنهم خطاة . و داخلهم لا
يعترف بذلك .
كلمة (خاطئ) قد يقولها الواحد
منهم عن نفسه ، بشفتيه فقط ليبدو
متضعاً . ولكنه في داخل نفسه غير
مقتنع بأنه مخطئ . و ان قلت له
إنك مخطئ ، يثور عليك و يدافع
بشدة عن نفسه و نحن لا نقصد أن
يلوم الإنسان نفسه ملامة باطلة
زائفة . فهذه الملامة الشكلية
الباطلة ، هي غير مقبولة أمام
فاحص القلوب و الكلي ... إنما
حينما نقول لك أن تلوم نفسك ،
نقصد أن تكون مقتنعاً في أعماقك
اقتناعاً كاملاً بأنك مخطئ . و
هذا اللوم الحقيقي للنفس هو الذي
به تستحق المغفرة. و الذي يلوم
نفسه يصل إلي الاتضاع و يشفق علي
غيره . و الذي يلوم نفسه يمكنه ان
يعيش في سلام دائم مع الناس .حتى
إن حدث خلاف ، فبلوم النفس يسهل
أن يتم الصلح .إن الخصومة تشتد ،
حينما يصر كل من الطرفين علي
موقفه ، و يبر نفسه مدعياً أن
الحق في جانبه ، و أن الجانب
الآخر هو المخطئ . أما إن سلك
أحدهما باتضاع ، و أتي بالملامة
علي نفسه في هذه الخصومة ، حينئذ
ما أسهل ان يتم الصلح
…
فالخصم لا يحتمل أن يسمع منك
عبارة : (حقك عليّ أو انا غلطان)
.أو قولك له (أنا أسف جداً ، لأني
آلمتك أو أحزنتك)… وكما قال الحكيم أن (الجواب اللين يصرف الغضب)
(أم 15 : 6) .
إن كثيراً من الذين يعاتبونك إنما
يريدون أن يسمعوا منك كلمة واحدة
، تلوم بها نفسك ، و تعطيهم الحق
، فينتهي الموضوع عند هذا الحد .
و إلا فإن تبرير النفس يقود إلي
العناد . و العناد يشعل الخصومات
.
إن الذي يلوم نفسه ، لا يعاند ، و
لايقاوم ، و لا يخاصم ، و لا
يجادل كثيراً ، ولا يرد علي
الكلمة بمثلها أو بما هو أقسى ...
إنما يسلك مسالماً للناس ،
مراضياً لخصمه ما دام معه في
الطريق ... (مت5 : 25) .
إن شيطان الغضب ، و شيطان الخصومة
، و شيطان العناد ، و شيطان
الكبرياء، كل أولئك يقفون في
حيرةأمام الشخص الذي عنده فضيلة
لوم النفس ، لا يعرفون كيف
ينتصرون عليه . بل هم يصرون علي
أسنانهم في غيظ ، مهزومين أمامه
ا، انه لا يغضب من أحد ، و لا
يخاصم و لا يصيح ، و بالجواب
اللين و الكلمة الطيبة ، و جلب
الملامة علي نفسه ، يحل كل خصومة
و يصرف كل غضب . انه يعيش وديعاً
مسالماً يحبه الكل و في كل ذلك
نربط لوم النفس بفضيلة هامة جداً
و هي : الحكمة و الإفراز فلا
يكاد يكون مجرد لوم بعيد عن
الإفراز الداخلي ، لأن هذه
الفضيلة ليست مجرد فضيلة لسان ،
إنما هي فضيلة قلب . كذلك ينبغي
ألا يقودنا لوم النفس إلي اليأس و
التعب النفسي ، إنما في كل لومنا
لأنفسنا نحرص علي أن يكون لوم
النفس ، ممزوجاً بالرجاء ... نلوم
أنفسنا علي أخطاءها ، و نحن
مملوءين رجاء في التخلص من هذه
الأخطاء و نلوم أنفسنا علي ضعفها
، و لنا ملء الرجاء في قوة الله
العاملة معنا المعينة لضعفنا
... إذن قف في بدايه هذا العام
لكي تعد خطاياك أمام الله، و تبكت
نفسك عليها أمامه ، و تطلب عنها
مغفرة ... اطلب ذلك في انسحاق قلب
، و ليس في روتينية او شكلية . و
أذكر العبارة التي قالها القديس
الأنبا أنطونيوس الكبير : إن
ذكرنا خطايانا ، ينساها لنا الله
. و ان نسينا خطايانا ، يذكرها
لنا الله . و أبدأ العام بالشكر
لأن الله أعطاك عاماً جديداً ،
انه أمر يستحق أن تشكره عليه فقد
أعطاك فرصة للتوبة ، أو لتحسين
مستواك الروحي و الاهتمام بأبديتك
. في بداية العام أيضاً ، أذكر
إحسانات الله إليك . تذكرها
جميعاً واحدة فواحدة ، و أشكر
الله عليها . (باركي يا نفسي الرب
، و لا تنسي كل إحساناته) (مز
103). و لا تشكر فقط علي إحسانات
الله إليك في العام الماضي ، إنما
أيضاً في كل أيام حياتك . و كذلك
إحساناته إلي أحبائك .
|