مقالات   

                                                                      22/07/2007

هل جلست مع نفسك و حاسبتها مع بدايه العام الجديد ؟

 

هوذا نحن في بدايه عام جديد ، و من المعروف أن كل إنسان يحب أن يبدأ عامه الجديد بالتوبة و النقاوة . وهذا الامر يحتاج منه إلى جلسة مع نفسه لكي يحاسبها و يلومها على أخطائها . حقا ما اعظم  فضيلة لوم النفس .لأن الذي ليست له فضيلة لوم النفس ، لا يعرف أن يجلس مع نفسه . و إن جلس مع نفسه لا يستفيد . و ما دام لا يلوم نفسه فسوف لا يعترف بخطاياه ، و بالتالي سوف لا يتوب ، و يظل العام الجديد كسابقه ، بنفس أخطائه! اما الذي يلوم نفسه ، فأنه يستطيع ان يعرف حقيقة نفسه ... كثير من الناس نفسوهم مغلفة بالتبريرات و الأعذار و الفهم الخاطئ . وهم لا يلومون أنفسهم ، لأنهم يدللون أنفسهم ، و يعذرون أنفسهم في كل شئ . إنهم لا يقبلون إطلاقاً أن يأتوا باللائمة على أنفسهم ، لذلك لا يعرفون حقيقة ذواتهم . وقد تبقى ذات كل منهم جميلة في عينيه ، على الرغم من كل نقائصها ! مثل هذا الإنسان ، الذي لا يلوم نفسه ، و بالتالي لا يعرف حقيقة نفسه ، هو محتاج أن يأتيه اللوم من الخارج . هو في مسيس الحاجة إلى إنسان من الخارج يلومه ، و يعرفه حقيقة نفسه ، و يفهمه أخطاءه و مواضع الزلل في تصرفاته ، بل و يعرفه مقدار عمق خطيئته ، و يبكته عليها مادام ضميره لم يبكته . وقد فعل الله هذا مع داود ، حينما ارسل إليه ناثان ، ليلومه ويعرفه كم هو مخطىء، ويقنعه ان يقول (أخطات إلى الرب) (2 صم 12 ك 13) . وفى مرة أخرى ، لم يكن داود يلوم نفسه أيضا ، فأرسل له الله أبيجايل لتعرفه مقدرة الخطأ الذى كان هو مزمعاً أن يقع فيه ، لكى تمنعه عن لك . و بالفعل إستجاب داود وقال لها (مبارك عقلك ومباركه أنت ، لانك منعتنى اليوم عن إتيان الدماء وانتقام يدى نفسى) (اصم 25:23) إذن إن كان الإنسان لايلوم نفسه على اخطائه ، بعد فعلها ، أو على أخطائه التى هو مزمع ان يفعلها ، فقد يرسل له الله من يلومه ، كما ارسل أبيجايل وكما أرسل ناثان . ولكن الأفضل أن يكون القلب من الداخل سليماً ، فيلوم الإنسان نفسه . ولذلك قال القديس مقاريوس الكبير :أحكم على نفسك ، قبل أن يحكموا عليك .

إن الذي يلوم نفسه ، ينشغل بها وبتقويمها . وفي خجله من أخطائها ، لا ينظر إلى خطايا غيره . وفي ذلك قال القديسون : الذي ينشغل بخطاياه ، لا يكون له وقت يدين فيه خطايا أخيه .إن استطاع أن يبصر الخشبة التي في عينه ، يخجل في التحدث عن القذى التي في عين أخيه ... و إنما كلما تحدث عن غيره ، يقول : هذا أفضل ، وهذا أبر مني . و مهما كانت خطايا البار في عيني نفسه ، فإنه يجلس ويلوم الآخرين ! وربما في نقائصه وعيوبه ، ياتي باللائمة على غيره . و على الظروف ، و على البيئة ... وعلى الناس الذين أوقعوه في الخطيئة ، كما حدث لآدم إذ ألصق السبب في خطيئته بحواء ... وقد يلصق الإنسان السبب ، بالظروف المحيطة ، كما برر إيليا هروبه بقوله للرب " قتلوا أنبياءك بالسيف ... وهم يطلبون نفسي ليأخذوها " (1 مل 19 : 14) ... وقد يلصق السبب بالبيئة ، كما حدث أن أبانا إبراهيم قال عن زوجته سارة إنها أخته ! ثم حاول أن يغطي ذلك بقوله " إني قلت : ليس في هذا الموضع خوف الله البتة ، فيقتلوني لأجل إمرأتي " (تك 20 : 11) . ولو كان إبراهيم يلوم نفسه ما قال هذا . وكذلك لو كان أبونا آدم يلوم نفسه ، ما لام حواء ، ولو كان إيليا النبي يلوم نفسه ، ما لام الظروف . ولكن الإنسان يلوم غيره ويدينه ، لكى يبرر نفسه . ولأنه لا يريد أن يلوم نفسه ، ولايريد أن يلومه الناس ، فيلصق خطيئته بغيره ليخرج هو بريئاً ... كثيرون يغسلون أيديهم بالماء ، كما فعل بيلاطس وقال (أنا برىء من دم هذا البار). أترى استطاع ذلك الماء أن يبرئ بيلاطس ؟! خير للإنسان أن يلوم نفسه ، من أن يبرر نفسه . والذي يلوم نفسه ، يعرف ضعفه ، فيعذر غيره ولا يدينه . كما حدث للقديس موسى الأسود ، الذي رفض ان يدين راهبا مخطئاً عقد له مجمع لإدانته . حمل هذا القديس على ظهره كيساً مملوءاً بالرمال ومثقوباً . ولما سئل في ذلك قال " هذه خطاياي وراء ظهري تجري ، و قد جئت لإدانة خطايا أخي  " ! . الذي يلوم نفسه ، إن سئل عن خطايا شخص آخر ، يقول لسائله " إسألني عن خطاياي أنا . أما ذلك الإنسان فهو أبر مني . أخاطئ هو ؟ لست أعلم (يو 9 : 25) .الذي يلوم نفسه ، لا يقسو في الحكم على خطايا الآخرين ، كما فعل الفريسيون الذين طلبوا رجم المرأة الخاطئة ، فقال لهم السيد المسيح : من كان منكم بلا خطية ، فليقذفها أولاً بحجر (يو 8 : 7) . ذلك لأن الذي يقذف بالحجارة ، إنما يظن في نفسه أنه بلا خطية ، أو على الأقل يكون في ذلك الحين ناسياً لخطاياه ، وليس في وضع من يلوم نفسه . اما الذي يلوم نفسه ، فإنه يقول في فكره " من أنا حتى ألوم الناس ؟ أنا الذي فعلت كذا و كذا الاولى بي أن أصمت ما دام الله قد سترني ترى لو سمح الله أن أنكشف ، أكنت أستطيع أن أتكلم . هذا شعور من يضع خطيئته أمامه في كل حين (مز 50) .ولكن للأسف فإن كثيرين ، من أجل راحة نفسية زائفة ، أو من أجل كبرياء داخلية و مجد باطل ، وليس من أجل أبديتهم ، لا يحبون أن يتذكروا خطاياهم ، ولا أن يلوموا أنفسهم ، كما لا يقبلون أن يأتيهم اللوم من آخرين ! ... يحبون أن ينسوا خطاياهم ، وفي نفس الوقت يذكرون خطايا الناس ... ! وما الفائدة لهم في كل هذا ، سواء في السماء أو على الأرض ؟! لا شئ . حقاً ما اجمل قول القديسين :إن دنا أنفسنا ، رضى الديان عنا . من فوائد لوم النفس أيضاً : إصلاح الذات و تنقيتها .فالذي يلوم نفسه ، يكون مستعداً لإصلاح ذاته . ما دمت أعرف أن هذه خطية ، يكون عندي إذن استعداد لكي أتركها . ولكن كيف يمكن لإنسان أن يترك شيئاً ، ما دام لا يلوم نفسه إطلاقاً على عمله ؟! إذن لوم النفس يسبق بلا شك تنقية النفس من أخطائها . هو خطوة أولى إلى التوبة . أما تبرير الذات ، فهو شيطان يلتهم التوبة و يفترسها .

إن وجد الشيطان إنساناً يلوم نفسه ، و يريد ترك الخطية ويتوب ، يحاول الشيطان أن يخرجه من هذا النطاق الروحي ، و يقول له : لا تظلم نفسك بلا داع . في أي شئ أخطأت ؟ إن الموقف كان طبيعياً جداً . لك عذرك في هذا الأمر . و المسئولية تقع على فلان و فلان . أو أن الظروف كانت ضاغطة . و الضغوط الخارجية إضطرتك إلى هذا . و الناس مقدرون هذه الظروف ، و الرب يقدرها . فلا تحزن نفسك بلا سبب ! هذا هو كلام الشيطان ، أسلوب تبرير الذات.أما القديسون فيقولون : في كل ضيقة تحدث لك ، قل هذا بسبب خطاياي .إنك لن تخسر شيئاً إذا لمت نفسك . بل إن هذا يقودك إلى التوبة إن كنت مخطئاً ، و ينميك روحياً إن كنت بريئاً . وهكذا نجد ان  لوم النفس يقودنا إلى المغفرة

إن كنت تعرف إنك مريض ، فسوف تسعى إلى الطبيب لكي تشفى ... وأما إن أصررت على إنك سليم وصحيح ، فحينئذ ستسمع قول الرب : لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب ، بل المرضى (مت 9 : 12) .إن العشار الذي لام نفسه وقال " إني خاطئ " إستحق أن يخرج مبرراً ، بعكس الفريسي الذي لم يجد شيئاً يلوم عليه نفسه فقال : أشكرك يارب إني لست مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين الزناة (لو 18 : 11)  . حقاً ما الذي يمكنه أن يغفره الله لهذا الفريسي (البار في عيني نفسه) ؟ ، الذي لم يعرض خطيئة واحدة أمام الله طالباً عنها مغفرة ... لو كان خاطئاً مثل العشار ، لكان يطلب الرحمة مثله . ولكنه يفتخر قائلاً إنني " لست مثل العشار " . لم يعترف بخطايا تحتاج إلى غفران ، ولم يطلب غفراناً . فأبعد نفسه عن المغفرة وعن التبرير بدم المسيح . كذلك لم يقل الكتاب إن الله قد برر الإبن الأكبر ، الذي هو أيضاً لم يجد شيئاً يلوم عليه نفسه ، بل أكثر من هذا غضب و ألقى اللوم على أخيه و على أبيه. حقاً اية مغفرة تعطي لمن يقول : قط لم أخلف وصيتك .

ونفس هذا الإبن لم يطلب مغفرة ، لأنه لم يجد في تصرفاته خطأ واحداً يحتاج إلى مغفرة !! أما أخوة الأصغر فقد تبرر لأنه لام نفسه وقال لأبيه " أخطأت إلى السماء و قدامك . و لست مستحقاً أن أدعى لك إبناً ... " .إذن إن كنت لا تدين نفسك فأنت تبدو باراً في عيني نفسك ، بينما السيد المسيح قال : ما جئت لأدعو أبراراً ، بل خطاة إلى التوبة (مت 9 : 13) .

 في هذا المجال نجد  كثيرون يقولون أنهم خطاة . و داخلهم لا يعترف بذلك .

كلمة (خاطئ) قد يقولها الواحد منهم عن نفسه ، بشفتيه فقط  ليبدو متضعاً . ولكنه في داخل نفسه غير مقتنع بأنه مخطئ . و ان قلت له إنك مخطئ ، يثور عليك  و يدافع بشدة عن نفسه و نحن لا نقصد أن يلوم الإنسان نفسه ملامة باطلة زائفة . فهذه الملامة الشكلية الباطلة ، هي غير مقبولة أمام فاحص القلوب و الكلي ... إنما حينما نقول لك أن تلوم نفسك ، نقصد أن تكون مقتنعاً في أعماقك اقتناعاً كاملاً بأنك مخطئ . و هذا اللوم الحقيقي للنفس هو الذي به تستحق المغفرة. و الذي يلوم نفسه يصل إلي الاتضاع و يشفق علي غيره . و الذي يلوم نفسه يمكنه ان يعيش في سلام دائم مع الناس .حتى إن حدث خلاف ، فبلوم النفس يسهل أن يتم الصلح .إن الخصومة تشتد ، حينما يصر كل من الطرفين علي موقفه ، و يبر نفسه مدعياً أن الحق في جانبه ، و أن الجانب الآخر هو المخطئ . أما إن سلك أحدهما باتضاع ، و أتي بالملامة علي نفسه في هذه الخصومة ، حينئذ ما أسهل ان يتم الصلح فالخصم لا يحتمل أن يسمع منك عبارة : (حقك عليّ أو انا غلطان) .أو قولك له (أنا أسف جداً ، لأني آلمتك أو أحزنتك) وكما  قال الحكيم أن (الجواب اللين يصرف الغضب) (أم 15 : 6) .

إن كثيراً من الذين يعاتبونك إنما يريدون أن يسمعوا منك كلمة واحدة ، تلوم بها نفسك ، و تعطيهم الحق ، فينتهي الموضوع عند هذا الحد . و إلا  فإن تبرير النفس يقود إلي العناد . و العناد يشعل الخصومات .

إن الذي يلوم نفسه ، لا يعاند ، و لايقاوم ، و لا يخاصم ، و لا يجادل كثيراً ، ولا يرد علي الكلمة بمثلها أو بما هو أقسى ... إنما يسلك مسالماً للناس ، مراضياً لخصمه ما دام معه في الطريق ... (مت5 : 25) .

إن شيطان الغضب ، و شيطان الخصومة ، و شيطان العناد ، و شيطان الكبرياء، كل أولئك يقفون في حيرةأمام الشخص الذي عنده فضيلة لوم النفس ، لا يعرفون كيف ينتصرون عليه . بل هم يصرون علي أسنانهم في غيظ ، مهزومين أمامه ا، انه لا يغضب من أحد ، و لا يخاصم و لا يصيح ، و بالجواب اللين و الكلمة الطيبة ، و جلب الملامة علي نفسه ، يحل كل خصومة و يصرف كل غضب . انه يعيش وديعاً مسالماً يحبه الكل و في كل ذلك نربط لوم النفس بفضيلة هامة جداً و هي : الحكمة و الإفراز  فلا يكاد يكون مجرد لوم بعيد عن الإفراز الداخلي ، لأن هذه الفضيلة ليست مجرد فضيلة لسان ، إنما هي فضيلة قلب . كذلك ينبغي ألا يقودنا لوم النفس إلي اليأس و التعب النفسي ، إنما في كل لومنا لأنفسنا نحرص علي أن يكون لوم النفس ، ممزوجاً بالرجاء ... نلوم أنفسنا علي أخطاءها ، و  نحن مملوءين رجاء في التخلص من هذه الأخطاء و نلوم أنفسنا علي ضعفها ، و لنا ملء الرجاء في قوة الله العاملة معنا المعينة لضعفنا ... إذن قف في بدايه هذا العام لكي تعد خطاياك أمام الله، و تبكت نفسك عليها أمامه ، و تطلب عنها مغفرة ... اطلب ذلك في انسحاق قلب ، و ليس في روتينية او شكلية . و أذكر العبارة التي قالها القديس الأنبا أنطونيوس الكبير : إن ذكرنا خطايانا ، ينساها لنا الله . و ان نسينا خطايانا ، يذكرها لنا الله . و أبدأ العام بالشكر لأن الله أعطاك عاماً جديداً ، انه أمر يستحق أن تشكره عليه فقد أعطاك فرصة للتوبة ، أو لتحسين مستواك الروحي و الاهتمام بأبديتك . في بداية العام أيضاً ، أذكر إحسانات الله إليك . تذكرها جميعاً واحدة فواحدة ، و أشكر الله عليها . (باركي يا نفسي الرب ، و لا تنسي كل إحساناته) (مز 103). و لا تشكر فقط علي إحسانات الله إليك في العام الماضي ، إنما أيضاً في كل أيام حياتك . و كذلك إحساناته إلي أحبائك .

 

fathermarcosaziz@hotmail.com