|
زعيط و معيط و نطاط الحيط
كان لأحد البسطاء حمار و كلب و
قطه الف منهم شبه عائله فأعتني
بهم و أهتم بأمرهم فكان ينفق علي
عليق الحمار مبلغا لا يقل عما
ينفقه علي قوته الشخصي . اما
الكلب فكان عزيزا لديه بهذا
المقدار حتي كان يربض بجانبه علي
المائده و لقمه في فمه و الأخري
في فم الكلب . اما القط فكان
مدللا لحد انه يجلس معه فوق
المائده يأكل اطايب الطعام . و
كان الرجل كبير الثقه برفاقه
الثلاثه . فلما وافت ليله جلوس
الملك و أعتزم الناس السهر طوال
الليل يترقبون مرور موكب الحاكم
الذي اعتاد في مثل هذه الليله ان
يحقق لكل ذي طلب مطلبه اذا بصاحب
الثلاثه يمرض فيوكل لهم الأمر و
طلب منهم السهر حتي اذا ما ابصروا
الحاكم يبلغوه بما يتمناه كل واحد
منهم لصاحبهم و نام مطمئنا علي
وساده من الثقه . فلما أقترب
الملك من الثلاثه قاموا بصوت واحد
يطلبون و لكن لمن طلبوا ؟ و ماذا
طلبوا ؟ طلب الحمار لنفسه أن يكون
واليا علي بعض البلاد . أما الكلب
فطلب أن يصبح وزيرا و القط أكتفي
بأن يكون كبيرا للقضاه . و هنا
سألهم الحاكم اذا كانوا يريدون أن
يطلبون شيئا أخر لأنفسهم أو
لغيرهم فأجابوا بالنفي فلم يمر
سيدهم علي بالهم فلم يطلبوا له
شيئا حتي الصبر علي غدر الزمان .
فلما استيقظ صاحبهم من نومه و نزل
الي رعيته و أصحابه و كله أمال
فيهم ليسألهم ماذا طلبتم من الملك
؟ فأبتدر حماره بالسؤال : ماذا
طلبت لي يا حماري المحبوب ؟ فما
كان من الحمار الا ان أجابه في
رفسه كادت تؤدي بحياته و قال (صه)
لا تدعني من الآن فصاعدا بالحمار
لأنني طلبت من الملك أن أكون
واليا علي بعض البلاد . فالآن أنا
صاحب الأمر و النهي . أن شئت
أميتك و أن شئت أحييك . فأرتد
الرجل الي الخلف مذهولا . و عندما
أفاق نظر قليلا الي كلبه و قال :
و أنت ايها الصاحب ماذا طلبت لي
فأجابه في نباح و خربشه لآ تقل
كلبا لأني طلبت أن أكون وزيرا و
ها أنا اليوم لي تصاريف الأمور و
بيدي أن انفيك من البلاد و أجعلك
شريدا طريدا فأسقط في يده و كاد
اليأس يقتله لولا قليل من الأمل
في القط الذي عندما تقدم اليه في
تأدب قائلا : و أنت يا قطي الجميل
ماذا طلبت لصديقك الحميم . فما
كان من القط الا ان تنمر و زام
زومته و قفز في وجهه قفزته و
قال:أياك ان تدعوني من الآن قطا
لأني أصبحت اليوم قاضي القضاه و
لي المقدره أن احكم عليك بالسجن
أو الأعدام . فما كان من الرجل
المسكين الا رفع بصره الي السماء
و صرخ صرخه مدويه و قال : كفي يا
ربي خذ نفسي عندك و لا تسمح لي أن
أحيا مره أخري في هذا المكان الذي
يحيا فيه زعيط و معيط و نطاط
الحيط . و جري هذا القول مجري
المثل يضربونه كلما أرتفع الأراذل
بين الناس و أنقلبت الأعمده
.
جم يساعدوه في دفن أبوه خطف الغلق و طار
أمعتوه هو فلا يشعر بالواجب . لا
أدري .أم مجرم تشربت نفسه الأجرام
فلا أخبر عن ذلك المخلوق الذي مات
أبوه فدفعت المروءه أهلها فقاموا
ليساعدوه علي دفن أبيه و مواراه
جثمانه بالتراب فأحضروا الفأس
للحفر و الغلق لحمل التراب و
شمروا عن سواعدهم ليحفروا و اذا
به يخطف الغلق و يطير و يترك أهل
المروءه حياري في أمره متسألين
أمجنون هو فلا يدري ماذا يفعل ؟
ام لص أعتاد الخطف و لو كان كفن
أبيه ؟ أم ابن عاق لا يهمه أذا
دفن أبيه أو اكلته الكلاب ؟ أم هو
ابن مزيف نسب الي أبيه زورا ؟ و
من ذلك الوقت جري هذا القول مجري
المثل يضربونه لكل شخص أو جماعه
أو بلد وقفت حجر عثره في سبيل من
أراد خيرهم . و ها هي عينات من
هذه الأنواع . نوع من الأزواج يقع
الخلاف بينهما فتترك الزوجه دار
زوجها . و الزوج (يصهين) أو
يتظاهر بالصهينه و بعد أيام يشعر
كل منهما بسوء الحال و وخامه
المآل فالأولاد (لائصون) و بين
الأب و الأم يتحيرون . أن أقاموا
مع أبيهم فليس من يعول و أن الي
الأم في بيت أبيها أو أخيها أو
أختها شعرت بثقلها (و المضاف
اليه) و كلما طالت الأيام تحلل
ورم الحقد و أحتقن و أحس كل من
الزوجين بأن سبب أنهدام العائله
كان واهيا جدا و يخجلهم ذكره أمام
المتسائلين و يتمني كل منهما لو
توسط أحد الخيرين في الصلح و
ينحيان باللائمه علي رجال الدين
لأنهم لا يسعون الي الصلح و
السلام رغم ان الكاهن يكون قد قام
بواجبه مرارا و تكرارا ففي الوقت
الذي يكون فيه الزوجان في لهفه
يتمنيان و لو شبه تدخل في الصلح
تري الأب الكاهن يسعي بينهما لا
يبغي الا خيرهما و لا ينتظر منهما
شيئا. الا انهما يبدأن في (اللك و
العجن) و العتاب و الحساب ثم
تنفعل الزوجه و يحتد الزوج و يخرج
كل منهما من الغرفه في غضب أو
تغاضب أو زعل أو تزاعل فيضطر الأب
الكاهن أن يقوم و يذهب الي كل
منهما و يجره جر و ويل له اذا كان
نحيفا و المتزاعل بدينا سمينا
فتنهد قواه و يتصبب عرقه و يبح
صوته . و الأنكي من هذا أن الفريق
الذي يكون قد سعي بنفسه للصلح و
طلب التدخل هو الذي يتمطع و يتنطع
لما (يفلق) صاحبه و أحيانا يضطر
الكاهن أن يسمعه و لو همسا (جيت
أساعدك في دفن أبوك تخطف الغلق و
تطير) .
في الجنازات نجد هذا النوع ايضا .
عندما يموت عزيز أو رخيص فتعمل
الواجبات و ما ادراك ماهي
الواجبات . هي قاعه المناسبات أو
الصيوان بكراسيه و فراشيه و
انواره و قهوجيته . مئات و آلآف
الجنيهات و عربه لحمل الميت و
ايضا عربات لحمل أموات الضمير
المودعين . طباخ و مطبخ . عجول
تنحر . أفراح حانوتيه ممثله في
نجف و زينه الصيوان . و أحيانا
المطربات (المعددات) . و بينما
أهل المتوفي يرتعدون جزعا و خوفا
من الفضيحه و كشف الستر لعجزهم عن
القيام بهذه النفقات . يدخل بينهم
عدو العادات القاتله و راحم
النفوس الهالكه . المشفق علي
اليتيم و الأرمله . و قال دعكم من
هذه العوائد المضره المخربه
الكاشفه للستر و لا يصح أن يكون
موت و خراب ديار . نجد أن أول من
تصرخ في وجهه تلك المنكوبه أو
المنكوب قائله ليه ؟ هو المرحوم
كان قليل ! و ماذا يقول الناس عنا
؟ .. فماذا تقول عن هؤلاء القوم ؟
اليسوا ممن ينطبق عليهم القول
(جم يساعدوه في دفن أبوه خطف
الغلق و طار) و طالما أغتاظ
الناصحون و المصلحون من هذه
المكابره و النفخه الكاذبه التي
لا تجد ما يساعدها فيتركونهم في
جنونهم يضربون انفسهم في الحائط
حتي يتهشمون و يقولون ليتنا سمعنا
نصيحه الناصحين و أظهرنا أنفسنا
بمظهر الصالحين أولي من الفضيحه و
أظهار العجز .
أحنا دافنينه سوا !!
كان رجلان يبيعان زيتا يحملانه
علي حمار و يتجولان من مكان الي
مكان و حدث أن مات الحمار فندبه
صاحباه بقدر شعورهما بالحاجه اليه
و أستسلما للحزن العميق شأن
الفقير المعدم الذي لا يقوي علي
تعويضه . و لما كان الضيق فائق
للحيله و منبه للذهن قام أحدهما و
صاح بصاحبه قائلا أسكت و كفكف
الدمع و لا تبك فلنا في غفله
الناس ما يجعل موت الحمار حياه
لنا و فقدان عميدنا المحبوب هو
بدء وجود جديد لنا . لقد خطر لي
خاطر و لا شك في أنه وحي الوسط
الذي نعيش فيه و هو : علينا أن
نقوم بدفن الحمار و نبني عليه قبه
و نقول هذا مزار أحد الرجال
الصالحين و نقص علي الناس القصص و
الأخبار معلنين فضائله و كراماته
التي ظهرت مع الكبار و الصغار
فيأتي الينا الناس و يتمسحون في
ما بنيتا و يحلفون بما أسمينا و
يتبركون بما أخفينا فتنهال علينا
النذور و العطايا و يتقرب الينا
الحسان و الهدايا . فنزلت كلماته
علي صديقه الحزين بردا و سلاما و
أبرقت أسارير وجهه بعد أن كان
مهموما عبوسا . و ما هي الا ساعات
قليله حتي كانت جثه الحمار تحت
قبه ظليله و أصبح بائعا الزيت من
وجهاء البلد حيث أن ما قدر تم
بالفعل . فتوافد الزائرين و
الزائرات فرادي و جماعات و لم يمر
وقت من الزمن حتي كانت لهما جولات
يسرحون فيها لجمع التبرعات و
النذور و العادات فكان كل من
صاحبي الحيله و المهاره ينزل
بدوره ليجمع من البلاد ما نذره
الناذرون . و في احد السنين سولت
النفس لأحدهما أن يخفي عن زميله
جزاءا من الأيراد مما جعله يشك في
ذمته و أخذ يعاتبه علي فعلته فما
كان من الخائن الا ان قال في عدم
خجل أو تكلف (حلفني علي كرامه هذا
الرجل الطاهر) و أشار الي المدفون
. فالتفت اليه صاحبه و حدق النظر
فيه و قال أحلفك علي مين ما
(أحنا دافنينه سوا) . أرأيت كيف
أن الناس يستغلون الظروف و
الأحداث و بلاهه بعض الناس أو
بساطتهم و أخلاصهم من أجل أطماعهم
و مصالحهم الشخصيه
.
الحلوه في الطاقه و الوحشه فوق
الناقه
قالوا أن بنتا يتيمه تزوج والدها
بغير أمها فأخلف من الثانيه بنتا
و لكنها بشعه المنظر بقدر ما كانت
اليتيمه جميله فتانه في ادب و
كمال مما جعل الكثيرين يتقدمون
الي ابيها يطلبون الزواج بها . و
قد خطبت لأحدهم و لما كان يوم
الزفاف أعدت أمرأه الأب أبنتها
البشعه الشنيعه و زينتها بالملابس
الفاخره و لفتها لفا كعاده الأيام
الماضيه و أركبتها علي الجمل داخل
الهودج المعد للعروس المتفق عليها
. و أما أبنه زوجها الجميله فقد
حبستها داخل أحد الأماكن و أغلقت
عليها الطاقه . فسار أهل العريس
في موكب الفرح و مهرجان السرور و
ما دروا ما خبأته لهم الزوجه داخل
الهودج من شناعه و تعاسه شأن أهل
العالم الذين يزفون و هم معصوبو
العينين و يمجدون من يظلم
مستقبلهم و يكونو سببا لتعاستهم .
و بينما هم يسيرون علي هذه الحال
و أذا بطائر يطير في السماء و
يرفرف بجناحيه علي الهودج المسكون
بعفريت الحظ و شيطان التعاسه و أذ
برجل يصرخ و يقول (الحلوه في
الطاقه و الوحشه فوق الناقه) و ظل
علي هذه المناداه حتي اخجل الناس
و أوقفهم ليروا حقيقه الأمر
فأناخوا الجمل و كشفوا عن الهودج
و أماطوا اللثلمعن نسل اللئام
فرأوا خديعه زوجه الأب فنفضوها من
علي الجمل نفضا ثم عادوا الي
البيت ففتحوا الطاقه و أخرجوا
الجمال المستتر و وضعوها علي
الهودج و ساروا بها الي حيث تهنأ
بسعاده الحب و مجد الجمال الرائع
و الكمال السامي و الأدب الرفيع .
لا تستعجب أيها القاريء حدوث هذا
الحادث اذ له في العالم القديم
شبه و أشباه . كما أن له في
العالم الحديث نظائر لا تعد و لا
تحصي من الحوادث المختلفه و
الوقائع المتنوعه . فقديما خدم
يعقوب عند خاله لابان سبع سنوات
مقابل أن يزوجه أبنته راحيل
الجميله المحبوبه و لكن كان في
المساء أنه أخذ ليئه أبنته الكبري
و أتي بها اليه فدخل عليها . و في
الصباح اذ هي ليئه فقال للابان ما
هذا الذي صنعت بي اليس براحيل
خدمت عندك فلماذا خدعتني . فعاد و
أخذ راحيل و أعطاها له نظير خدمته
سبع سنوات أخري . و أما عصرنا
الحاضر فقد امتلأ من الغش و
الخداع فكم من حلوه في الطاقه و
بشعه فوق الناقه . و كم من جميله
أديبه جعل رب الطبيعه ثروتها في
وجهها لا في خزانه من حديد و
ممتلكاتها و أطيانها في خلقها
الذي به تمتلك زمام نفسها و تضبط
جماح طبيعتها فتحتفظ بعفافها و
شرفها قد خبأها عن عيون الناس .
فقرها و عدم وجود الذهب يخطف
أبصار الفرائس من الأزواج بينما
تركب علي هودج المواكب للزفاف كل
شنيعه في الخلق و الخلق . لبست
وجها مستعارا من الذهب حتي تتحول
العيون عنها اليه . و كذلك بالعكس
كم من شاب شبعان قوه و فتوه راجح
العقل غزير العلم جم الأدب سامي
الأخلاق يتقدم الي شابه أعجبته و
أعجبها . و أذا بعجوز دميم يسير
الي هاويه الموت بركبتين مرتعشتين
يفر منه رسول الموت تاره و تفزع
من رؤيته شياطين الجحيم أخري
يصادف في طريقه هذه الشابه فيتقدم
الي ابيها بركب مخلعه و لكنها في
داخل سياره فاخره و يمدد اليها
يدا مرتعشه و لكنها في قفاز من
ذهب فيحوز قصب السبق و يتواري
الشاب عن العيون و يرفع المخلع
فوق الهودج و يسير في موكبه بدلا
من المدفن الي خدر العريس .
ليت الناس يتنبهون يوما فيستعملون
اذانهم حتي تسمع و يفتحون عيونهم
حتي تبصر و عقولهم لتفكر و تقابل
و تستنتج فتميز بين الغث و السمين
و النافع و الضار فتنزل من علي
الكراسي من حقرها و ترفع اليها من
يزينها و يشرفها فيعلو الحق علي
الباطل
بعد
العيد ما يفتلوش كعك
لا تزال تتردد علي الأفواه هذه
الكلمات (بعد العيد ما يفتلوش
كعك) . و معناها واضح لا يحتاج
الي ايضاح يفهمها الطفل الصغير
قبل الرجل الكبير و هو ان العيد
هو فرصه لعمل الكعك فاذا مر العيد
و مباهجه و استعداده دون ان يعمل
فيه الكعك فلا ينتظر ان يعمل بعد
العيد . و لذلك تري هذه الكلمات
يرددها كل واحد منا عندما يري
صاحبه يريد تفويت الفرصه عليه . و
مع ان هذه الكلمات الحكيمه كثيره
الورود علي الأفواه الا أنها
قليله العمل بها و اذا عمل بها
أحد فعمله يكون قاصرا علي الناحيه
الماديه المنحطه حسب ظاهرها
الحرفي فينتهز فرصه الكعك و ما
اليه من شهوات البطن و أشباع
النهم الذي لا يقدم بل يؤخر
تقدمها و يحدها بالموت الذي يأتي
عن طريق التخمه وليده الشر . أن
هذه الحكمه و أن وضعت في قالب من
قوالب الكعك و البسكويت فهي ككل
الأمثال التي توضع في قوالب ماديه
مشاهده ملموسه الا انها تحمل في
جوفها أسمي المعاني الروحيه
السماويه . فمهما سال لعاب
النهمين عند ذكر هذه الحكمه و
مهما ركز البعض عقولهم و أفكارهم
علي حرفيه الكعك فأنها تعني
أغتنام الفرصه أو أفتداء الوقت
علي حد قول الرسول (فأنظروا كيف
تسلكون بالتدقيق لا كجهلاء بل
كحكماء مفتدين الوقت لأن الأيام
شريره) . فالكعك هنا هو الوقت .
هو الفرصه . هو الآن و أفتداؤه هو
أغتنامه فالكعك نشيريه أو نغتنمه
بطريق البذل . هكذا الوقت أو
الفرصه نغتنمها أو نقتنصها من يد
عدو الخير و ذلك بالبذل و التضحيه
و الحذر . و هل يكسب الأنسان شيئا
دون أن يبذل في سبيله مجهودا أو
شيئا آخر ؟ قال السيد المسيح في
أمثاله المشهوره (تاجر يطلب لآليء
حسنه فلما وجد لؤلؤه واحده كثيره
الثمن مضي و باع كل ما كان له و
أشتراها) و ما الفرصه الا لؤلؤه
ثمينه يجب أن نشتريها أو نقتنصها
من قبضه الكسل و الخمول و الأهمال
لنجعل منها خادما للخير و الصلاح
و الأجتهاد . و قد أوضح الوحي
الألهي ضروره و أسباب أنتهاز
الفرصه بقوله (لأن الأيام شريره)
. لأن سوق الفضيله فيها كساد و
السماسره الذين يروجون للرذيله
كثيرون و كثيرون جدا . حتي أن بعض
دعاه الفضيله قد انحازوا الي
جانبهم عندما علموا ان (العالم
كله قد وضع في الشرير) فسلموا
رايه سيدهم و نكسوا علم الفضيله و
رفعوا عنه علم ابليس . علم
الرذيله و الفساد. و قالوا مالنا
و للبضاعه الكاسده التي يعاقب كل
من يتاجر بها و التي لا تتفق مع
مصلحه رئيس هذا العالم (ابليس) .
و ما لنا نعرض أنفسنا لمقاومه و
اغلاق الأبواب في وجوهنا . فراحوا
يحولون دفه الحياه الي اتجاه لا
تعاكسه أنواء الشيطان عدو الخير
منتهزين كل فرصه لأشباع الشهوات و
ما أكثر هذه الفرص التي يقدمها
لهم عدو الخير لأنه قيل أن الأيام
شريره . و ما أكثر الناس الذين
يظنون كما كان يظن القديس
أوغسطينوس قبل توبته أن الأوقات و
الحياه قد جعلت للملذات الجسديه
حتي كان جالسا ذات يوم في حديقه
المنزل يفكر في شروره فسمع هاتفا
يقول له (خذ و أقرأ) فقرأ في
الكتاب المقدس (لا بالبطر و السكر
. لا بالمضاجع و العهر لا بالخصام
و الحسد) و من تلك الساعه قرر أن
يعيش حياته لله . فلا يقال ان
فلان أغتنم الفرصه أو أفتدي الوقت
اذا كانت الفرصه أغتنمت في الأكل
و الشرب و الشهوات و الوقت صرف في
فعل الشر لأن الأيام شريره و
الوقت في قبضه الشيطان . و لكن
اذاما أقتنصنا الفرصه و الوقت من
قبضه الشرير و صرفناها في فعل
الخير فهذا يدعي أنتهازا للفرصه و
أفتداء للوقت بمعني أننا أنقذنا
ساعه أو يوما من يد الشرير و
صرفناها في فعل الخير و الصلاح .
و الا فكيف نقول أننا أفتدينا
فلانا من الموت اذا كنا علقناه
بأيدينا في حبل المشنقه فكل فرصه
نصرفها في الكسل و الشر فهي فرصه
ضائعه و وقت مقتول .
ان الفرصه المغتنمه هي ما كانت
للتوبه عن الخطيه و الشر و العوده
الي البر و الصلاح كما يقول النبي
(فأنه وقت لطلب الرب) و كما يقول
الرسول (في وقت مقبول سمعتك و في
يوم خلاص أعنتك . هوذا الآن وقت
مقبول . هوذا الآن يوم خلاص) و
قوله (هذا و أنكم عارفون الوقت .
أنها الآن ساعه لنستيقظ من النوم
فأن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين
آمنا . قد تناهي الليل و تقارب
النهار فلنخلع أعمال الظلمه و
نلبس اسلحه النور . لنسلك بلياقه
كما في النهار) .
و لما كانت الحياه غير معروفه
المدي و لا في ايه ساعه من ساعات
نهار الحياه نموت كانت الساعه
التي نحن فيها و اللحظه التي
نحياها هي الفرصه التي أن ننتهزها
في غير تسويف و لا أبطاء فهوذا
أهل نينوي قد أنذرهم يونان النبي
بأن الله سيدمر مدينتهم بعد
أربعين يوما اذا كانوا لا يتوبون
فلم يؤجلوا التوبه يوما واحدا مع
ان لهم مهله أربعون يوما . بل
قاموا في الحال و لبسوا المسوح و
رقدوا علي التراب في صوم و صلاه
منتهزين الفرصه و مغتنمين الوقت و
صرفوه في التوبه و طلب الغفران و
خافوا من الوقوع في الخطأ الفظيع
الذي يقع فيه الكثيرون ممن
اعتادوا تسويف الأمور . الذين لا
يدركون أن الخطر و كل الخطر في أن
يهملوا الأمر ثم يحاولون بعد ذلك
أن يساوموا الأيام في استرداده .
أذا ناداك الله للتوبه فلا تؤجل
الي الغد لأن بعد العيد لا يفتلون
كعكا . فبعد فوات الوقت لا يقدمون
توبه . فهوذا الآن وقت مقبول لأن
الغد غير مضمون و أنت لا تدري متي
تدركك المنيه و تحضرك الوفاه و
يعاجلك الموت . فاذا جعلت (الآن)
يمر و الفرصه تضيع دون أن تلبي
النداء للتوبه يأتي وقت تطلب
التوبه بدموع كما طلبها عيسو فلا
تجدها . فالله يقول لك (الآن) هو
الوقت المقبول . (الآن) هو وقت
الخلاص .
قيل أن أحد القواد الرومان ثار
علي الأمبراطور و بعد أحدي الحروب
أخذ القائد أسيرا و جيء به أمام
الأمبراطور فقال له (أني أمنحك
عفوي و أردك الي مقامك و أرجع
اليك سيفك و أمتيازاتك اذا أقسمت
لي بشرفك العسكري يمين الأخلاص و
الولاء) فقال له القائد (أعطني
وقتا لأتأمل و أفكر) فقام
الأمبراطور و رسم بسيفه دائره
حوله و حول القائد و قال له (الآن
قبل أن تخرج من هذه الدائره أعطني
جوابك فأما قلبك أو تؤخذ روحك
منك) … و اذا ما شدد الله علينا و
ضيق الحصار و رسم بسيف عدله حولنا
دائره ضيقه و قال (الآن) هو الوقت
المقبول فما ذلك الا لفرط رحمته و
شفقته علينا لأنه يعلم أن (الآن)
الذي نتنفس فيه هو الذي نضمنه .
أما ما يأتي بعده فغير مضمون .
لذلك يشدد علينا قائلا (الآن) …
طلب طيباريوس قبل أن يكون قيصرا
مقابله ديوجانيس الفيلسوف فأجل
ديوجانيس هذه المقابله الي سبعه
أيام و في هذه الأثناء صار
طيباريوس قيصرا فراح ديوجانيس
يترامي علي أعتابه و يطلب
المقابله فرفضت الي الأبد و صار
ديوجانيس شريدا طريدا . و اليوم
يعلن الله قائلا أنني أطلب من
الجميع أن يتوبوا و سأتغاضي عن
أزمنه الجهل فاذا لبينا الدعوه
صرنا مقبولين لديه و أن قلنا غدا
أو بعد غد أو عندما يذهب الشباب و
تحل الشيخوخه حينئذ نتوب فيأتي
الموت بغته و يختطفنا في غير
أمهال . نطلب التوبه فلا نجدها
نرجو الملاقاه فنحرم الدخول و ترن
في أذاننا تلك الحكمه المأثوره
(بعد العيد مافيش فتل كعك)
لقد صور القدماء الفرصه علي هيئه
امرأه لها شعر طويل مدلي علي
وجهها . اما قفاها فأصلع بدون شعر
يسترسل علي ظهرها و هم يريدون
بهذه الصوره أن يعلموا الناس أن
الفرصه يجب أنتهازها عند أقبالها
حيث نستطيع جذبها من مقدمها . اما
اذا مضت و ولت فلا يمكن استرجاعها
اذ لا شعر في قفاها يمكن جذبها
منه .
هناك شباب ينهمك في جمع المال و
ينتظر الوصول الي أرقي الدرجات و
يؤجلون زواجهم في الشبوبيه حتي
يحصلوا علي ما يرغبون فتكون
النتيجه كالتي أصابت ذلك الشاب
الذي نزح الي امريكا و هناك جد و
أجتهد حتي جمع ثروه طائله و عاد
الي بلاده و أخذ في أقامه الحفلات
الساهره و كله أمال أن تقبل
الفتيات عليه و يلتففن حوله لكثره
أمواله و وفره غناه . نعم وجد
أقبالا علي موائده و أيادي تمتد و
أفواه وشفاه تنفرج لتناول اطعمته
و لكنه لم يجد فما يقع علي وجنتيه
و لا قلبا خفق لرؤيته الأمر الذي
ادهشه و كسر قلبه فتساءل عن هذا
الصدود فقيل له لقد أكتسبت اموالا
طائله و لكنك فقدت الشباب رأس
المال الحقيقي في نظر الشابات .
فلا تعجب اذا كنت لا تري منهن
شغفا بك و ميلا اليك لأنه (بعد
العيد ما يفتلوش كعك)
الأمر الواقع
كان الناس قديما و لا زالوا الي
يومنا هذا يقولون عن كل أمر يتوقف
علي محض اراده الأنسان ـ هذا مقدر
و مكتوب علي الجبين ـ ثم يقولون ـ
و المكتوب علي الجبين لازم تشوفه
العين ـ رغم أن الموضوع كله هو من
الأمور التي تحت سلطه الأنسان و
أرادته . فتذهب البنت في طريقها و
تسير المرأه في سبيلها مندفعه
بهوي النفس فيقال أنها (طلعت في
المقدر) ـ أو (مقدر و مكتوب
عليها) . يقعد المرء عن العمل
مستسلما للبطاله و الفقر فاذا ما
دفعته الي العمل و السعي أجابك
(المقدر لازم يكون) .. يصاب
الأنسان بالأمراض الفتاكه فيستسلم
هو و ذووه فيترك الداء ينهش في
جسمه كما تنهش الكلاب في جثه مائت
و شعارهم هو المقدر علي الجبين
لازم تشوفه العين . . يتركون
اولادهم بلا تعليم و لا تربيه
متجولين في الطرقات و الشوارع و
اذا لفت نظرهم أجابوك (هم و حظهم)
و (المقدر عليهم يكون) . اعتقادات
وضعت في غير موضعها و كانت سببا
في تأخرنا . لقد تنبه الناس الي
هذا الخطر فأصبحوا يميزون بين
اراده الله و عمله و الأشياء التي
ليس للأنسان دخل فيها و بين
أراده الأنسان و عمله مما دفع
الناس الي النشاط و العمل و السعي
و مقاومه كل عائق يقف في طريق نمو
الحياه و تقدمها . الا أنه مع
الأسف الشديد فوجئنا في السنوات
الأخيره بعباره جديده ترددها كل
المستويات و في كل المجالات و هي
(الأمر الواقع) . و الفرق بين
العبارتين كبير جدا فالأولي كان
الناس يقولون (مقدر و مكتوب) عن
كل عمل لأعتقادهم أن كل حادث في
الحياه مهما كان صادرا عن اراده
الأنسان فهو مقدر من الله و لذلك
كان لهم ـ حسب فكرهم ـ العذر أو
شبه العذر . أما علماء اليوم و
مصلحوا اليوم و فلاسفه أخر الزمان
يطلقون عباره (الأمر الواقع) علي
كل حاله يعتقدون انها نشأت عن
عناد متصلف أو خطأ جاهل أو تصرف
رجل غير مسؤل .اولئك الذين
ينادون بالقضاء و القدر المزيف
(لأنه لا يتفق مع قضاء الله
الحقيقي) كانوا ينطلقون أحيانا من
قيودهم و ينهضون من تقاعدهم
فيسعون للخلاص مما يرون أنه مقدر
عليهم مدفوعين بعباره (أسع يا عبد
و أنا اعينك و أرقد و أنا اهينك)
. اما علماء اليوم و فلاسفته فهم
يركعون امام (الأمر الواقع) رغم
أنهم ربما لم يركعون يوما امام
الله . و اذا استنهضت همتهم و
استحثثت همتهم و عزيمتهم أجابوك
نحن أمام (الأمر الواقع) . يعني
اللي حصل حصل .
الكتاب المقدس يقول صريحا (لا يقل
أحد اذا جرب أني أجرب من قبل الله
لأن الله غير مجرب بالشرور . و هو
لا يجرب أحد و لكن كل واحد يجرب
اذا أنجذب و انخدع من شهوته)
[يعقوب 1 : 13] . اذا ما هو
المقصود ب (الأمر الواقع) بعدما
يثبت أنه غير مؤيد من الله و غير
مطابق لكتابه و لا للأصول . هل
نحترمه لأنه وقع . وما وقع قد وقع
و أن الواقع و الحاصل لا يجب
زحزحته و لا تغييره ؟ لا فالوحي
الألهي يقول(من يعرف أن يعمل حسنا
و لا يفعل فذاك خطيه
له)
أضرب أضرب يا نقاوه عيني
قديما ذهب أحد العمد الي الجهات
المختصه بتعيين نظار الأقسام و
طلب منها تعيين ناظر قسم لبلاده و
كان الناظر في ذاك الوقت لابد و
أن يكون تركيا . فجاءوا بفرقه من
الأتراك كانت قد وفدت الي مصر
حديثا و أصطفت أمام العمده ليختار
منها واحدا ليكون ناظرا . فجال
بنظره فيهم ثم أعاد النظر مره
ثانيه فأبصر شخص تلوح عليه سمات
الذله و المسكنه . بلا حذاء .
متشرد و طاقات العري مفتوحه عنده
. فقال العمده في نفسه أن أخترت
هذا البائس المسكين و أنتشلته من
فقره المدقع و شقائه الشديد فأنه
سيحفظ لي الجميل و سيعمل الي
جانبي بأخلاص . و فعلا رشحه و طلب
تعيينه و تم للعمده ما أراد و تم
تعيين هذا الشخص ناظرا للقسم و
صرفت له بدله جديده من ديوان
المهمات و سافر مع العمده الي
المركز حيث العز و الهناء . فما
أن لمست قدماه أرض المركز و جلس
علي الكرسي و وقف (المنادي)
أمامه حتي صاح صيحته عاليه قائلا
هاتوا العمد فأحضروهم اليه و
أصطفوا كما أصطفت فرقته أمام
العمده يوم أختياره فقال لهم
هاتوا مال الميري يا عمد .
فأجابوه حاضر يا أفندينا باكرا
أنشاء الله يكون هنا . فلم يمهلهم
و طلب الكرباج ليجلدهم و أبتدأ
بجلد العمده الذي أختاره و الذي
أوصله الي هذه المكانه . أما
العمده فلم يستغث بل أكتفي بأن
كان ينظر الي الناظر التركي و
يقول (أضرب . أضرب . يا نقاوه
عيني) هذا هو طبع كثير من البشر
في كل زمان و مكان أن يقابلوا
الأحسان بالأساءه و الجميل
بالجحود قد لعب هذا الطبع دورا
كبيرا في تاريخ البشريه مبتدئا من
المتحضرين و منتهيا الي الي
المتبربرين ….
|