مقالات   

                                                                      22/07/2007

خواطر روحيه من خلال الأمثال الشعبيه و الكلمات الشائعه

زعيط و معيط و نطاط الحيط .. جم يساعدوه في دفن أبوه خطف الغلق
و طار ..  أحنا دافنينه سوا !! الحلوه في الطاقه و الوحشه فوق الناقه ..  بعد العيد ما يفتلوش كعك .. اهلاوي أم زملكاوي . الديك الفصيح .. ركبتك يا أعرج العرج حطيت يدك في الخرج .. الأمر الواقع .. اضرب اضرب يا نقاوه عيني

 

زعيط و معيط و نطاط الحيط

كان لأحد البسطاء  حمار و كلب و قطه الف منهم شبه عائله فأعتني بهم و أهتم بأمرهم فكان ينفق علي عليق الحمار مبلغا لا يقل عما ينفقه علي قوته الشخصي . اما الكلب فكان عزيزا لديه بهذا المقدار حتي كان يربض بجانبه علي المائده و لقمه في فمه و الأخري في فم الكلب . اما القط فكان مدللا لحد انه يجلس معه فوق المائده يأكل اطايب الطعام . و كان الرجل كبير الثقه برفاقه الثلاثه . فلما وافت ليله جلوس الملك و أعتزم الناس السهر طوال الليل يترقبون مرور موكب الحاكم الذي اعتاد في مثل هذه الليله ان يحقق لكل ذي طلب مطلبه اذا بصاحب الثلاثه يمرض فيوكل لهم الأمر و طلب منهم السهر حتي اذا ما ابصروا الحاكم يبلغوه بما يتمناه كل واحد منهم لصاحبهم و نام مطمئنا علي وساده من الثقه . فلما أقترب الملك من الثلاثه قاموا بصوت واحد يطلبون و لكن لمن طلبوا ؟ و ماذا طلبوا ؟ طلب الحمار لنفسه أن يكون واليا علي بعض البلاد . أما الكلب فطلب أن يصبح وزيرا و القط أكتفي بأن يكون كبيرا للقضاه . و هنا سألهم الحاكم اذا كانوا يريدون أن يطلبون شيئا أخر لأنفسهم أو لغيرهم فأجابوا بالنفي فلم يمر سيدهم علي بالهم فلم يطلبوا له شيئا حتي الصبر علي غدر الزمان . فلما استيقظ صاحبهم من نومه و نزل الي رعيته و أصحابه و كله أمال فيهم ليسألهم ماذا طلبتم من الملك ؟ فأبتدر حماره بالسؤال : ماذا طلبت لي يا حماري المحبوب ؟ فما كان من الحمار الا ان أجابه في رفسه كادت تؤدي بحياته و قال (صه) لا تدعني من الآن فصاعدا بالحمار لأنني طلبت من الملك أن أكون واليا علي بعض البلاد . فالآن أنا صاحب الأمر و النهي . أن شئت أميتك و أن شئت أحييك . فأرتد الرجل الي الخلف مذهولا . و عندما أفاق نظر قليلا الي كلبه و قال : و أنت ايها الصاحب ماذا طلبت لي فأجابه في نباح و خربشه لآ تقل كلبا لأني طلبت أن أكون وزيرا و ها أنا اليوم لي تصاريف الأمور و بيدي أن انفيك من البلاد و أجعلك شريدا طريدا فأسقط في يده و كاد اليأس يقتله لولا قليل من الأمل في القط الذي عندما تقدم اليه في تأدب قائلا : و أنت يا قطي الجميل ماذا طلبت لصديقك الحميم . فما كان من القط الا ان تنمر و زام زومته و قفز في وجهه قفزته و قال:أياك ان تدعوني من الآن قطا لأني أصبحت اليوم قاضي القضاه و لي المقدره أن احكم عليك بالسجن أو الأعدام . فما كان من الرجل المسكين الا رفع بصره الي السماء و صرخ صرخه مدويه و قال : كفي يا ربي خذ نفسي عندك و لا تسمح لي أن أحيا مره أخري في هذا المكان الذي يحيا فيه زعيط و معيط و نطاط الحيط . و جري هذا القول مجري المثل يضربونه كلما أرتفع الأراذل بين الناس و أنقلبت الأعمده .                  

جم يساعدوه في دفن أبوه خطف الغلق و طار

أمعتوه هو فلا يشعر بالواجب . لا أدري .أم مجرم تشربت نفسه الأجرام فلا أخبر عن ذلك المخلوق الذي مات أبوه فدفعت المروءه أهلها فقاموا ليساعدوه علي دفن أبيه و مواراه جثمانه بالتراب فأحضروا الفأس للحفر و الغلق لحمل التراب و شمروا عن سواعدهم ليحفروا و اذا به يخطف الغلق  و يطير و يترك أهل المروءه حياري في أمره متسألين أمجنون هو فلا يدري ماذا يفعل ؟ ام لص أعتاد الخطف و لو كان كفن أبيه ؟ أم ابن عاق لا يهمه أذا دفن أبيه أو اكلته الكلاب ؟ أم هو ابن مزيف نسب الي أبيه زورا ؟ و من ذلك الوقت جري هذا القول مجري المثل يضربونه لكل شخص أو جماعه أو بلد وقفت حجر عثره في سبيل من أراد خيرهم . و ها هي عينات من هذه الأنواع . نوع من الأزواج يقع الخلاف بينهما فتترك الزوجه دار زوجها . و الزوج (يصهين) أو يتظاهر بالصهينه و بعد أيام يشعر كل منهما بسوء الحال و وخامه المآل فالأولاد (لائصون) و بين الأب و الأم يتحيرون . أن أقاموا مع أبيهم فليس من يعول و أن الي الأم في بيت أبيها أو أخيها أو أختها شعرت بثقلها (و المضاف اليه) و كلما طالت الأيام تحلل ورم الحقد و أحتقن و أحس كل من الزوجين بأن سبب أنهدام العائله كان واهيا جدا و يخجلهم ذكره أمام المتسائلين و يتمني كل منهما لو توسط أحد الخيرين في الصلح و ينحيان باللائمه علي رجال الدين لأنهم لا يسعون الي الصلح و السلام رغم ان الكاهن يكون قد قام بواجبه مرارا و تكرارا ففي الوقت الذي يكون فيه الزوجان في لهفه يتمنيان و لو شبه تدخل في الصلح تري الأب الكاهن يسعي بينهما لا يبغي الا خيرهما و لا ينتظر منهما شيئا. الا انهما يبدأن في (اللك و العجن) و العتاب و الحساب ثم تنفعل الزوجه و يحتد الزوج و يخرج كل منهما من الغرفه في غضب أو تغاضب أو زعل أو تزاعل فيضطر الأب الكاهن أن يقوم و يذهب الي كل منهما و يجره جر و ويل له اذا كان نحيفا و المتزاعل بدينا سمينا فتنهد قواه و يتصبب عرقه و يبح صوته . و الأنكي من هذا أن الفريق الذي يكون قد سعي بنفسه للصلح و طلب التدخل هو الذي يتمطع و يتنطع لما (يفلق) صاحبه و أحيانا يضطر الكاهن أن يسمعه و لو همسا (جيت أساعدك في دفن أبوك تخطف الغلق و تطير) .

في الجنازات نجد هذا النوع ايضا . عندما يموت عزيز أو رخيص فتعمل الواجبات و ما ادراك ماهي الواجبات . هي قاعه المناسبات أو الصيوان بكراسيه و فراشيه و انواره و قهوجيته . مئات و آلآف الجنيهات و عربه لحمل الميت و ايضا عربات لحمل أموات الضمير المودعين . طباخ و مطبخ . عجول تنحر . أفراح حانوتيه ممثله في نجف و زينه الصيوان . و أحيانا المطربات (المعددات) . و بينما أهل المتوفي يرتعدون جزعا و خوفا من الفضيحه و كشف الستر لعجزهم عن القيام بهذه النفقات . يدخل بينهم عدو العادات القاتله و راحم النفوس الهالكه . المشفق علي اليتيم و الأرمله . و قال دعكم من هذه العوائد المضره المخربه الكاشفه للستر و لا يصح أن يكون موت و خراب ديار . نجد أن أول من تصرخ في وجهه تلك المنكوبه أو المنكوب قائله ليه ؟ هو المرحوم كان قليل ! و ماذا يقول الناس عنا ؟ .. فماذا تقول عن هؤلاء القوم ؟ اليسوا ممن  ينطبق عليهم القول (جم يساعدوه في دفن أبوه خطف الغلق و طار) و طالما أغتاظ الناصحون و المصلحون من هذه المكابره و النفخه الكاذبه التي لا تجد ما يساعدها فيتركونهم في جنونهم يضربون انفسهم في الحائط حتي يتهشمون و يقولون ليتنا سمعنا نصيحه الناصحين و أظهرنا أنفسنا بمظهر الصالحين أولي من الفضيحه و أظهار العجز .

 أحنا دافنينه سوا !!

كان رجلان يبيعان زيتا يحملانه علي حمار و يتجولان من مكان الي مكان و حدث أن مات الحمار فندبه صاحباه بقدر شعورهما بالحاجه اليه و أستسلما للحزن العميق شأن الفقير المعدم الذي لا يقوي علي تعويضه . و لما كان الضيق فائق للحيله و منبه للذهن قام أحدهما و صاح بصاحبه قائلا أسكت و كفكف الدمع و لا تبك فلنا في غفله الناس ما يجعل موت الحمار حياه لنا و فقدان عميدنا المحبوب هو بدء وجود جديد لنا . لقد خطر لي خاطر و لا شك في أنه وحي الوسط الذي نعيش فيه و هو : علينا أن نقوم بدفن الحمار و نبني عليه قبه و نقول هذا مزار أحد الرجال الصالحين و نقص علي الناس القصص و الأخبار معلنين فضائله و كراماته التي ظهرت مع الكبار و الصغار فيأتي الينا الناس و يتمسحون في ما بنيتا و يحلفون بما أسمينا و يتبركون بما أخفينا فتنهال علينا النذور و العطايا و يتقرب الينا الحسان و الهدايا . فنزلت كلماته علي صديقه الحزين بردا و سلاما و أبرقت أسارير وجهه بعد أن كان مهموما عبوسا . و ما هي الا ساعات قليله حتي كانت جثه الحمار تحت قبه ظليله و أصبح بائعا الزيت من وجهاء البلد حيث أن ما قدر تم بالفعل . فتوافد الزائرين و الزائرات فرادي و جماعات و لم يمر وقت من الزمن حتي كانت لهما جولات يسرحون فيها لجمع التبرعات و النذور و العادات فكان كل من صاحبي الحيله و المهاره ينزل بدوره ليجمع من البلاد ما نذره الناذرون . و في احد السنين سولت النفس لأحدهما أن يخفي عن زميله جزاءا من الأيراد مما جعله يشك في ذمته و أخذ يعاتبه علي فعلته فما كان من الخائن الا ان قال في عدم خجل أو تكلف (حلفني علي كرامه هذا الرجل الطاهر) و أشار الي المدفون . فالتفت اليه صاحبه و حدق النظر فيه و قال أحلفك علي مين  ما (أحنا دافنينه سوا) . أرأيت كيف أن الناس يستغلون الظروف و الأحداث و بلاهه بعض الناس أو بساطتهم و أخلاصهم من أجل أطماعهم و مصالحهم الشخصيه .                       

الحلوه في الطاقه و الوحشه فوق الناقه

قالوا أن بنتا يتيمه تزوج والدها بغير أمها فأخلف من الثانيه بنتا و لكنها بشعه المنظر بقدر ما كانت اليتيمه جميله فتانه في ادب و كمال مما جعل الكثيرين يتقدمون الي ابيها يطلبون الزواج بها . و قد خطبت لأحدهم و لما كان يوم الزفاف أعدت أمرأه الأب أبنتها البشعه الشنيعه و زينتها بالملابس الفاخره و لفتها لفا كعاده الأيام الماضيه و أركبتها علي الجمل داخل الهودج المعد للعروس المتفق عليها . و أما أبنه زوجها الجميله فقد حبستها داخل أحد الأماكن و أغلقت عليها الطاقه . فسار أهل العريس في موكب الفرح و مهرجان السرور و ما دروا ما خبأته لهم الزوجه داخل الهودج من شناعه و تعاسه شأن أهل العالم الذين يزفون و هم معصوبو العينين و يمجدون من يظلم مستقبلهم و يكونو سببا لتعاستهم . و بينما هم يسيرون علي هذه الحال و أذا بطائر يطير في السماء و يرفرف بجناحيه علي الهودج المسكون بعفريت الحظ و شيطان التعاسه و أذ برجل يصرخ و يقول (الحلوه في الطاقه و الوحشه فوق الناقه) و ظل علي هذه المناداه حتي اخجل الناس و أوقفهم ليروا حقيقه الأمر فأناخوا الجمل و كشفوا عن الهودج و أماطوا اللثلمعن نسل اللئام فرأوا خديعه زوجه الأب فنفضوها من علي الجمل نفضا ثم عادوا الي البيت ففتحوا الطاقه و أخرجوا الجمال المستتر و وضعوها علي الهودج و ساروا بها الي حيث تهنأ بسعاده الحب و مجد الجمال الرائع و الكمال السامي و الأدب الرفيع .

لا تستعجب أيها القاريء حدوث هذا الحادث اذ له في العالم القديم شبه و أشباه . كما أن له في العالم الحديث نظائر لا تعد و لا تحصي من الحوادث المختلفه و الوقائع المتنوعه . فقديما خدم يعقوب عند خاله لابان سبع سنوات مقابل أن يزوجه أبنته راحيل الجميله المحبوبه و لكن كان في المساء أنه أخذ ليئه أبنته الكبري و أتي بها اليه فدخل عليها . و في الصباح اذ هي ليئه فقال للابان ما هذا الذي صنعت بي اليس براحيل خدمت عندك فلماذا خدعتني . فعاد و أخذ راحيل و أعطاها له نظير خدمته سبع سنوات أخري . و أما عصرنا الحاضر فقد امتلأ من الغش و الخداع فكم من حلوه في الطاقه و بشعه فوق الناقه . و كم من جميله أديبه جعل رب الطبيعه ثروتها في وجهها لا في خزانه من حديد و ممتلكاتها و أطيانها في خلقها الذي به تمتلك زمام نفسها و تضبط جماح طبيعتها فتحتفظ بعفافها و شرفها قد خبأها عن عيون الناس . فقرها و عدم وجود الذهب يخطف أبصار الفرائس من الأزواج بينما تركب علي هودج المواكب للزفاف كل شنيعه في الخلق و الخلق . لبست وجها مستعارا من الذهب حتي تتحول العيون عنها اليه . و كذلك بالعكس كم من شاب شبعان قوه و فتوه راجح العقل غزير العلم جم الأدب سامي الأخلاق يتقدم الي شابه أعجبته و أعجبها . و أذا بعجوز دميم يسير الي هاويه الموت بركبتين مرتعشتين يفر منه رسول الموت تاره و تفزع من رؤيته شياطين الجحيم أخري يصادف في طريقه هذه الشابه فيتقدم الي ابيها بركب مخلعه و لكنها في داخل سياره فاخره و يمدد اليها يدا مرتعشه و لكنها في قفاز من ذهب فيحوز قصب السبق و يتواري الشاب عن العيون و يرفع المخلع فوق الهودج و يسير في موكبه بدلا من المدفن الي خدر العريس .

ليت الناس يتنبهون يوما فيستعملون اذانهم حتي تسمع و يفتحون عيونهم حتي تبصر و عقولهم  لتفكر و تقابل و تستنتج فتميز بين الغث و السمين و النافع و الضار فتنزل من علي الكراسي من حقرها و ترفع اليها من يزينها و يشرفها فيعلو الحق علي الباطل 

 بعد العيد ما يفتلوش كعك

لا تزال تتردد علي الأفواه هذه الكلمات (بعد العيد ما يفتلوش كعك) . و معناها واضح لا يحتاج الي ايضاح يفهمها الطفل الصغير قبل الرجل الكبير و هو ان العيد هو فرصه لعمل الكعك فاذا مر العيد و مباهجه و استعداده دون ان يعمل فيه الكعك فلا ينتظر ان يعمل بعد العيد . و لذلك تري هذه الكلمات يرددها كل واحد منا عندما يري صاحبه يريد تفويت الفرصه عليه . و مع ان هذه الكلمات الحكيمه كثيره الورود علي الأفواه الا أنها قليله العمل بها و اذا عمل بها أحد فعمله يكون قاصرا علي الناحيه الماديه المنحطه حسب ظاهرها الحرفي فينتهز فرصه الكعك و ما اليه من شهوات البطن و أشباع النهم الذي لا يقدم بل يؤخر تقدمها و يحدها بالموت الذي يأتي عن طريق التخمه وليده الشر . أن هذه الحكمه و أن وضعت في قالب من قوالب الكعك و البسكويت فهي ككل الأمثال التي توضع في قوالب ماديه مشاهده ملموسه الا انها تحمل في جوفها أسمي المعاني الروحيه السماويه . فمهما سال لعاب النهمين عند ذكر هذه الحكمه و مهما ركز البعض عقولهم و أفكارهم علي حرفيه الكعك فأنها تعني أغتنام الفرصه أو أفتداء الوقت علي حد قول الرسول (فأنظروا كيف تسلكون بالتدقيق لا كجهلاء بل كحكماء مفتدين الوقت لأن الأيام شريره) . فالكعك هنا هو الوقت . هو الفرصه . هو الآن و أفتداؤه هو أغتنامه فالكعك نشيريه أو نغتنمه بطريق البذل . هكذا الوقت أو الفرصه نغتنمها أو نقتنصها من يد عدو الخير و ذلك بالبذل و التضحيه و الحذر . و هل يكسب الأنسان شيئا دون أن يبذل في سبيله مجهودا أو شيئا آخر ؟ قال السيد المسيح في أمثاله المشهوره (تاجر يطلب لآليء حسنه فلما وجد لؤلؤه واحده كثيره الثمن مضي و باع كل ما كان له و أشتراها) و ما الفرصه الا لؤلؤه ثمينه يجب أن نشتريها أو نقتنصها من قبضه الكسل و الخمول و الأهمال لنجعل منها خادما للخير و الصلاح و الأجتهاد . و قد أوضح الوحي الألهي ضروره و أسباب أنتهاز الفرصه بقوله (لأن الأيام شريره) . لأن سوق الفضيله فيها كساد و السماسره الذين يروجون للرذيله كثيرون و كثيرون جدا . حتي أن بعض دعاه الفضيله قد انحازوا الي جانبهم عندما علموا ان (العالم كله قد وضع في الشرير) فسلموا رايه سيدهم و نكسوا علم الفضيله و رفعوا عنه علم ابليس . علم الرذيله و الفساد. و قالوا مالنا و للبضاعه الكاسده التي يعاقب كل من يتاجر بها و التي لا تتفق مع مصلحه رئيس هذا العالم (ابليس) . و ما لنا نعرض أنفسنا لمقاومه و اغلاق الأبواب في وجوهنا . فراحوا يحولون دفه الحياه الي اتجاه لا تعاكسه أنواء الشيطان عدو الخير منتهزين كل فرصه لأشباع الشهوات و ما أكثر هذه الفرص التي يقدمها لهم عدو الخير لأنه قيل أن الأيام شريره . و ما أكثر الناس الذين يظنون كما كان يظن القديس أوغسطينوس قبل توبته أن الأوقات و الحياه قد جعلت للملذات الجسديه حتي كان جالسا ذات يوم في حديقه المنزل يفكر في شروره فسمع هاتفا يقول له (خذ و أقرأ) فقرأ في الكتاب المقدس (لا بالبطر و السكر . لا بالمضاجع و العهر لا بالخصام و الحسد) و من تلك الساعه قرر أن يعيش حياته لله . فلا يقال ان فلان أغتنم الفرصه أو أفتدي الوقت اذا كانت الفرصه أغتنمت في الأكل و الشرب و الشهوات و الوقت صرف في فعل الشر لأن الأيام شريره و الوقت في قبضه الشيطان . و لكن اذاما أقتنصنا الفرصه و الوقت من قبضه الشرير و صرفناها في فعل الخير فهذا يدعي أنتهازا للفرصه و أفتداء للوقت بمعني أننا أنقذنا ساعه أو يوما من يد الشرير و صرفناها في فعل الخير و الصلاح . و الا فكيف نقول أننا أفتدينا فلانا من الموت اذا كنا علقناه بأيدينا في حبل المشنقه فكل فرصه نصرفها في الكسل و الشر فهي فرصه ضائعه و وقت مقتول .

ان الفرصه المغتنمه هي ما كانت للتوبه عن الخطيه و الشر و العوده الي البر و الصلاح كما يقول النبي (فأنه وقت لطلب الرب) و كما يقول الرسول (في وقت مقبول سمعتك و في يوم خلاص أعنتك . هوذا الآن وقت مقبول . هوذا الآن يوم خلاص) و قوله (هذا و أنكم عارفون الوقت . أنها الآن ساعه لنستيقظ من النوم فأن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا . قد تناهي الليل و تقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمه و نلبس اسلحه النور . لنسلك بلياقه كما في النهار) .

و لما كانت الحياه غير معروفه المدي و لا في ايه ساعه من ساعات نهار الحياه نموت كانت الساعه التي نحن فيها و اللحظه التي نحياها هي الفرصه التي أن ننتهزها في غير تسويف و لا أبطاء فهوذا أهل نينوي قد أنذرهم يونان النبي بأن الله سيدمر مدينتهم بعد أربعين يوما اذا كانوا لا يتوبون فلم يؤجلوا التوبه يوما واحدا مع ان لهم مهله أربعون يوما . بل قاموا في الحال و لبسوا المسوح و رقدوا علي التراب في صوم و صلاه منتهزين الفرصه و مغتنمين الوقت و صرفوه في التوبه و طلب الغفران و خافوا من الوقوع في الخطأ الفظيع الذي يقع فيه الكثيرون ممن اعتادوا تسويف الأمور . الذين لا يدركون أن الخطر و كل الخطر في أن يهملوا الأمر ثم يحاولون بعد ذلك أن يساوموا الأيام في استرداده . أذا ناداك الله للتوبه فلا تؤجل الي الغد لأن بعد العيد لا يفتلون كعكا . فبعد فوات الوقت لا يقدمون توبه . فهوذا الآن وقت مقبول لأن الغد غير مضمون و أنت لا تدري متي تدركك المنيه و تحضرك الوفاه و يعاجلك الموت . فاذا جعلت (الآن) يمر و الفرصه تضيع دون أن تلبي النداء للتوبه يأتي وقت تطلب التوبه بدموع كما طلبها عيسو فلا تجدها . فالله يقول لك (الآن) هو الوقت المقبول . (الآن) هو وقت الخلاص .

قيل أن أحد القواد الرومان ثار علي الأمبراطور و بعد أحدي الحروب أخذ القائد أسيرا و جيء به أمام الأمبراطور فقال له (أني أمنحك عفوي و أردك الي مقامك و أرجع اليك سيفك و أمتيازاتك اذا أقسمت لي بشرفك العسكري يمين الأخلاص و الولاء) فقال له القائد (أعطني وقتا لأتأمل و أفكر) فقام الأمبراطور و رسم بسيفه دائره حوله و حول القائد و قال له (الآن قبل أن تخرج من هذه الدائره أعطني جوابك فأما قلبك أو تؤخذ روحك منك) … و اذا ما شدد الله علينا و ضيق الحصار و رسم بسيف عدله حولنا دائره ضيقه و قال (الآن) هو الوقت المقبول فما ذلك الا لفرط رحمته و شفقته علينا لأنه يعلم أن (الآن) الذي نتنفس فيه هو الذي نضمنه . أما ما يأتي بعده فغير مضمون . لذلك يشدد علينا قائلا (الآن) …

طلب طيباريوس قبل أن يكون قيصرا مقابله ديوجانيس الفيلسوف فأجل ديوجانيس هذه المقابله الي سبعه أيام و في هذه الأثناء صار طيباريوس قيصرا فراح ديوجانيس يترامي علي أعتابه و يطلب المقابله فرفضت الي الأبد و صار ديوجانيس شريدا طريدا . و اليوم يعلن الله قائلا أنني أطلب من الجميع أن يتوبوا و سأتغاضي عن أزمنه الجهل فاذا لبينا الدعوه  صرنا مقبولين لديه و أن قلنا غدا أو بعد غد أو عندما يذهب الشباب و تحل الشيخوخه حينئذ نتوب فيأتي الموت بغته و يختطفنا في غير أمهال . نطلب التوبه فلا نجدها نرجو الملاقاه فنحرم الدخول و ترن في أذاننا تلك الحكمه المأثوره (بعد العيد مافيش فتل كعك)

لقد صور القدماء الفرصه علي هيئه امرأه لها شعر طويل مدلي علي وجهها . اما قفاها فأصلع بدون شعر يسترسل علي ظهرها و هم يريدون بهذه الصوره أن يعلموا الناس أن الفرصه يجب أنتهازها عند أقبالها حيث نستطيع جذبها من مقدمها . اما اذا مضت و ولت فلا يمكن استرجاعها اذ لا شعر في قفاها يمكن جذبها منه .

هناك شباب ينهمك في جمع المال و ينتظر الوصول الي أرقي الدرجات و يؤجلون زواجهم في الشبوبيه حتي يحصلوا علي ما يرغبون فتكون النتيجه كالتي أصابت ذلك الشاب الذي نزح الي امريكا و هناك جد و أجتهد حتي جمع ثروه طائله و عاد الي بلاده و أخذ في أقامه الحفلات الساهره و كله أمال أن تقبل الفتيات عليه و يلتففن حوله لكثره أمواله و وفره غناه . نعم وجد أقبالا علي موائده و أيادي تمتد و أفواه وشفاه تنفرج لتناول اطعمته و لكنه لم يجد فما يقع علي وجنتيه و لا قلبا خفق لرؤيته الأمر الذي ادهشه و كسر قلبه فتساءل عن هذا الصدود فقيل له لقد أكتسبت اموالا طائله و لكنك فقدت الشباب رأس المال الحقيقي في نظر الشابات . فلا تعجب اذا كنت لا تري منهن شغفا بك و ميلا اليك لأنه (بعد العيد ما يفتلوش كعك)

الأمر الواقع

كان الناس قديما و لا زالوا الي يومنا هذا يقولون عن كل أمر يتوقف علي محض اراده الأنسان ـ هذا مقدر و مكتوب علي الجبين ـ ثم يقولون ـ و المكتوب علي الجبين لازم تشوفه العين ـ رغم أن الموضوع كله هو من الأمور التي تحت سلطه الأنسان و أرادته . فتذهب البنت في طريقها و تسير المرأه في سبيلها مندفعه بهوي النفس فيقال أنها (طلعت في المقدر) ـ أو (مقدر و مكتوب عليها) . يقعد المرء عن العمل مستسلما للبطاله و الفقر فاذا ما دفعته الي العمل و السعي أجابك (المقدر لازم يكون) .. يصاب الأنسان بالأمراض الفتاكه فيستسلم هو و ذووه فيترك الداء ينهش في جسمه كما تنهش الكلاب في جثه مائت و شعارهم هو المقدر علي الجبين لازم تشوفه العين . . يتركون اولادهم بلا تعليم و لا تربيه متجولين في الطرقات و الشوارع و اذا لفت نظرهم أجابوك (هم و حظهم) و (المقدر عليهم يكون) . اعتقادات وضعت في غير موضعها و كانت سببا في تأخرنا . لقد تنبه الناس الي هذا الخطر فأصبحوا يميزون بين اراده الله و عمله و الأشياء التي ليس للأنسان دخل فيها  و بين أراده الأنسان و عمله مما دفع الناس الي النشاط و العمل و السعي و مقاومه كل عائق يقف في طريق نمو الحياه و تقدمها . الا أنه مع الأسف الشديد فوجئنا في السنوات الأخيره بعباره جديده ترددها كل المستويات و في كل المجالات و هي (الأمر الواقع) . و الفرق بين العبارتين كبير جدا فالأولي كان الناس يقولون (مقدر و مكتوب) عن كل عمل لأعتقادهم أن كل حادث في الحياه مهما كان صادرا عن اراده الأنسان فهو مقدر من الله و لذلك كان لهم ـ حسب فكرهم ـ العذر أو شبه العذر . أما علماء اليوم و مصلحوا اليوم و فلاسفه أخر الزمان يطلقون عباره (الأمر الواقع) علي كل حاله يعتقدون انها نشأت عن عناد متصلف أو خطأ جاهل أو تصرف رجل غير مسؤل .اولئك الذين ينادون  بالقضاء و القدر المزيف (لأنه لا يتفق مع قضاء الله الحقيقي) كانوا ينطلقون أحيانا من قيودهم و ينهضون من تقاعدهم فيسعون للخلاص مما يرون أنه مقدر عليهم مدفوعين بعباره (أسع يا عبد و أنا اعينك و أرقد و أنا اهينك) . اما علماء اليوم و فلاسفته فهم يركعون امام (الأمر الواقع) رغم أنهم ربما  لم يركعون يوما امام الله . و اذا استنهضت همتهم و استحثثت همتهم و عزيمتهم أجابوك نحن أمام (الأمر الواقع) . يعني اللي حصل حصل .

الكتاب المقدس يقول صريحا (لا يقل أحد اذا جرب أني أجرب من قبل الله لأن الله غير مجرب بالشرور . و هو لا يجرب أحد و لكن كل واحد يجرب اذا أنجذب و انخدع من شهوته) [يعقوب 1 : 13] . اذا ما هو المقصود ب (الأمر الواقع) بعدما يثبت أنه غير مؤيد من الله و غير مطابق لكتابه و لا للأصول . هل نحترمه لأنه وقع . وما وقع قد وقع و أن الواقع و الحاصل لا يجب زحزحته و لا تغييره ؟ لا فالوحي الألهي يقول(من يعرف أن يعمل حسنا و لا يفعل فذاك خطيه له)                              

أضرب أضرب يا نقاوه عيني

قديما ذهب أحد العمد الي الجهات المختصه بتعيين نظار الأقسام و طلب منها تعيين ناظر قسم لبلاده و كان الناظر في ذاك الوقت لابد و أن يكون تركيا . فجاءوا بفرقه من الأتراك كانت قد وفدت الي  مصر حديثا و أصطفت أمام العمده ليختار منها واحدا ليكون ناظرا . فجال بنظره فيهم ثم أعاد النظر مره ثانيه فأبصر شخص تلوح عليه سمات الذله و المسكنه . بلا حذاء . متشرد و طاقات العري مفتوحه عنده . فقال العمده في نفسه أن أخترت هذا البائس المسكين و أنتشلته من فقره المدقع و شقائه الشديد فأنه سيحفظ لي الجميل و سيعمل الي جانبي بأخلاص . و فعلا رشحه و طلب تعيينه و تم للعمده ما أراد و تم تعيين هذا الشخص ناظرا للقسم و صرفت له بدله جديده من ديوان المهمات و سافر مع العمده الي المركز حيث العز و الهناء . فما أن لمست قدماه أرض المركز و جلس علي الكرسي  و وقف (المنادي) أمامه حتي صاح صيحته عاليه قائلا هاتوا العمد فأحضروهم اليه  و أصطفوا كما أصطفت فرقته أمام العمده يوم أختياره فقال لهم هاتوا مال الميري يا عمد . فأجابوه حاضر يا أفندينا باكرا أنشاء الله يكون هنا . فلم يمهلهم و طلب الكرباج  ليجلدهم و أبتدأ بجلد العمده الذي أختاره و الذي أوصله الي هذه المكانه . أما العمده فلم يستغث بل أكتفي بأن كان ينظر الي الناظر التركي و يقول (أضرب . أضرب . يا نقاوه عيني)  هذا هو طبع كثير من البشر في كل زمان و مكان أن يقابلوا الأحسان بالأساءه و الجميل بالجحود قد لعب هذا الطبع  دورا كبيرا في تاريخ البشريه مبتدئا من المتحضرين و منتهيا الي الي المتبربرين ….

 

fathermarcosaziz@hotmail.com