مقالات   

                                                                      23/07/2007

اللسان و ذيل الجمل

 

في أحدي الكنائس كان الأب الكاهن يستخدم لجام الزجر و التوبيخ ليمنع السيدات من استخدام السنتهن في خلق المشاكل مع الأزواج أو الجيران . و لست أدري هل كان هذا التصرف الغريب في تلك السنين الغابره تصرفا حكيما . أم كان فيه قسوه لا لزوم لها . كانت هناك أمثال كثيره في القديم تؤكد بأن النساء عن طريق الثرثره يسببن للعالم أضرار بالغه . فهل هذا حق أم لا ؟ سأترك غيري يجيب علي السؤال . لأني و أن كنت أحب الكلام الا أنني أكره الأخلاق المحطمه . و أبغض النميمه التي يحبها البعض . و أنا أقدم هذا السؤال لمن هم أحكم مني قائلا ( هل النساء أشر من الرجال في هذا المجال ؟ ). يقولون أن الصمت لؤلؤه جميله الا ان المرأه قلما تلبسها أو تتحلي بها . فهل هذا حق ؟ و يقولون أن المرأه لا تخفي الا الأشياء التي تجهلها . و أن لسان المرأه كذيل الجمل لا يكف عن الحركه . و  يقال كما أن الثعلب كله ذيل فكذلك المرأه كلها لسان . فما نصيب هذه الأقوال من الصحه ؟ ) . فهل هذه الكلمات حقيقيه ؟ أنني أعرف بعض النساء الفاضلات الهادئات . لهن اصوات رقيقه منخفضه نادرا ما تسمعهن يتكلمن . و أن كان هذا الوصف قد لا ينطبق علي الكثيرات . الا أن بعض الرجال يشبهون السيدات اللواتي يقال أنهن كثيرات الكلام . فنجدهم لا يكتمون الأسرار بل يفشونها .

 أنه أمر مؤسف الا تفرض الحكومه ضريبه علي الكلام . فلو فعلت لتضاعفت ايراداتها . و لو ضوعفت الضريبه بالنسبه لكلام الكذب ما تمكنت الحكومه من تحصيل الضرائب لكثرتها . ان ما نسمعه عن البعض كثيرا ما يكون كله افتراء و كذبا . و ما يترامي  الينا من القال و القيل نصفه كذبا . فالقصه التي تتردد علي الألسنه قد لا تفقد شيئا . لكن كثيرا ما تزداد كلما انتقلت من شخص الي آخر . فمن يتكلم كثيرا يكذب كثيرا . فلو ان الناس لا يتكلمون سوي الصدق لعاشوا في سلام كامل . فالسكوت قلما يؤذي و لكن الكلام هو المرض . يقولون أن الصمت حكمه لذلك ما أقل الحكماء من الرجال و النساء.

ان المياه العميقه تبدو ساكنه . بينما المياه الضحله قد تكون كثيره الحركه . كذلك الأشخاص كثيرو الكلام قليلو التعقل. ان الصندوق الذي يحوي فضه و ذهبا . قلما يفتح . و الأنسان الذي يحمل دررا قلما يتكلم . ان الكلام أمر طبيعي . لكن السكوت يحتاج الي تدريب طويل . ان كان لابد لنا ان نتكلم . فلنبتعد عن النميمه . و عن التحدث في حق الأخرين . فقد يجد البعض تسليتهم في كلام النميمه . الا أن هذا الكلام يقتل اولئك الذين نمسك سيرتهم . فكما ان اليد قد تستخدم في قتل البشر فأن اللسان ايضا يقتل صيت الكثيرين . و هذا أشر و أدهي . أن الذين تنبح الكلاب ضدهم قد لا يكونون لصوصا . لكنهم يعاملون كما لو كانوا كذلك . فالعالم يؤمن أنه حيث الدخان لابد من وجود النار . و ان ما يتفق عليه البشر لابد ان يكون صدقا . فلنحترص اذا حتي لا نسيء الي اخوتنا . خاصه  في أمر سمعتهم . لأن السمعه متي تلطخت فليس من السهل اصلاحها . و متي سجل أسم الشخص يوما في قائمه الساقطين فليس من السهل أنتزاع اسمه من هذه القائمه . فاذا اردنا الا نخطيء في الكلام فلنتعلم أن نقلل من الكلام . لو قسمنا خطايا البشر الي قسمين لوجدنا أن نصفها هو خطايا اللسان . و يقول الوحي الألهي ( أن كان أحد لا يعثر في الكلام فذاك رجل كامل قادر أن يلجم كل الجسد ايضا ) أن مسك السيره أو التشهير بالغير سواء من جانب الرجال أو النساء . هو أمر مخجل لأنه ينقل القصص و يسبب النزاع . فلا تجعل من نفسك بوقا في يد الشيطان يستخدمه لأشعال نار الخصام بين البشر . فاذا كنت لا تستطيع أن تقص جزءا من لسانك فليس أقل من أن تصلح كلامك بملح النعمه . فبدلا من أن تستخدم لسانك في ذم البشر أستخدمه في مدح الفادي . لا تكن كالأوزه التي ترفع صوتها القبيح . أو كالبرميل الفارغ الذي يعطي صوتا عاليا أو كالشوك الذي يمزق لحم البشر . لكن أغلق فمك حتي لا تدخله الحشرات و لا تخرج  منه كلام الشر . فكر كثيرا و تكلم قليلا . كن مسرعا في العمل مبطئا في التكلم .

يقوم اللسان بوظيفتي التذوق و النطق و اللسان الرديء كثيرا ما يستعبد صاحبه و يجلب عليه الشرور و الويلات في تأديه هاتين الوظيفتين . فقد يخضع المرء لحاسه ذوقه فيصير شهوانيا شرها لا يهمه الا التلذذ بأنواع الطعام و الشراب حتي يصبح سخريه بين الناس . علي أن الله يعلم الشرهين و المغرمين بالمآكل و المشرب أن يقتنعوا بكل ما تصل اليه ايديهم و يأكلوا ما يقدم لهم . اما الخطر الأعظم الذي يجلبه علينا اللسان فيأتي عن النطق . و النطق هو ميزه جليله يمتاز بها الأنسان عن الحيوان . فبه يتباحث و يتفاهم فتسهل أمامه أمور الحياه و تمهد سبل الراحه و السعاده . فاللسان هيء لقضاء المصالح و اسعاد الحياه . و لكن الأنسان كثيرا ما يخطيء التصرف فعوض ان يجعل لسانه وسيله لأسعاده و هنائه يجعله وسيله لتعاسته و شقائه و عوضا عن أن يجعل لسانه ينبوعا عذبا يخرج الماء الحلو , و لا ينطق الا بالصالحات يجعله ينبوعا مالحا يخرج المراره و لا يتكلم الا بما هو معوج و رديء و اذا رغبت أن تحكم علي انسان لتعرف ان كان صالحا أو شرير يمكنك ان تحكم عليه من اقواله لأن ( الأنسان الصالح من الكــــنز الـــصالح في القلب يخرج الـــصالحات و الأنسان الشرير من الكنز الشرير يخرج الشرور ) [ مت 12 : 35 ] . ( لأنه من فضله القلب يتكلم الفم ) [ مت 12 : 34 ] . و كما ان الشجره تخرج أثمارا من جنسها . هكذا كلام الناس يكشف بواطنهم و اخلاقهم و صفاتهم . ( من ثمارهم تعرفونهم ) [ مت 7 : 16 ] . فلا تقل أني صائم صوما حقيقيا و لسانك غير صائم . و قد كان الناس يتكلمون في يوم من الأيام لغه واحده و لكن عندما كثرت خطاياهم بلبل الله السنتهم فأصبح لكل قبيله لسانها و لكل أمه لغتها . و الواقع ان المرء يمكنه أن يجعل لسانه ينبوعا عذبا يخرج الماء الحلو . و لا ينطق الا بالصالحات . أو يجعله ينبوعا مالحا لا يخرج الا المراره و لا يتكلم الا بما هو معوج و رديء و قبيح . و ليس من المعقول أن يحاول المرء أن يجعل لسانه الواحد ينطق بالكلام الحسن و الرديء معا فكما يقول القديس يعقوب الرسول ( العل ينبوعا ينبع من نفس عين واحده العذب و المر . هل تقدر يا أخوتي تينه أن تصنع زيتونا أو كرمه تينا ؟ و لا كذلك ينبوع يصنع ماء مالحا و عذبا . ) [ يع 3 : 11 ـ12 ] . ما اتعس صاحب اللسان الدنس لأن صلاته و كل عبادته لا يقبلها الله . ( أن كان أحد فيكم يظن أنه دين و هو لا يلجم لسانه فديانه هذا باطله ) [ يع 1 : 26 ] . أحفظ لسانك و قل دائما ( ضع يا رب حارسا علي فمي ) . أحفظ لسانك ليسكن في قلبك خوف الله لأن من ينفلت لسانه فهو مازال عبدا . اما من غلب لسانه فقد صار حرا .

 

fathermarcosaziz@hotmail.com