|
في أحدي الكنائس كان الأب الكاهن
يستخدم لجام الزجر و التوبيخ
ليمنع السيدات من استخدام السنتهن
في خلق المشاكل مع الأزواج أو
الجيران . و لست أدري هل كان هذا
التصرف الغريب في تلك السنين
الغابره تصرفا حكيما . أم كان فيه
قسوه لا لزوم لها . كانت هناك
أمثال كثيره في القديم تؤكد بأن
النساء عن طريق الثرثره يسببن
للعالم أضرار بالغه . فهل هذا حق
أم لا ؟ سأترك غيري يجيب علي
السؤال . لأني و أن كنت أحب
الكلام الا أنني أكره الأخلاق
المحطمه . و أبغض النميمه التي
يحبها البعض . و أنا أقدم هذا
السؤال لمن هم أحكم مني قائلا (
هل النساء أشر من الرجال في هذا
المجال ؟ ). يقولون أن الصمت
لؤلؤه جميله الا ان المرأه قلما
تلبسها أو تتحلي بها . فهل هذا حق
؟ و يقولون أن المرأه لا تخفي الا
الأشياء التي تجهلها . و أن لسان
المرأه كذيل الجمل لا يكف عن
الحركه . و يقال كما أن الثعلب
كله ذيل فكذلك المرأه كلها لسان .
فما نصيب هذه الأقوال من الصحه ؟
) . فهل هذه الكلمات حقيقيه ؟
أنني أعرف بعض النساء الفاضلات
الهادئات . لهن اصوات رقيقه
منخفضه نادرا ما تسمعهن يتكلمن .
و أن كان هذا الوصف قد لا ينطبق
علي الكثيرات . الا أن بعض الرجال
يشبهون السيدات اللواتي يقال أنهن
كثيرات الكلام . فنجدهم لا يكتمون
الأسرار بل يفشونها .
أنه أمر مؤسف الا تفرض الحكومه
ضريبه علي الكلام . فلو فعلت
لتضاعفت ايراداتها . و لو ضوعفت
الضريبه بالنسبه لكلام الكذب ما
تمكنت الحكومه من تحصيل الضرائب
لكثرتها . ان ما نسمعه عن البعض
كثيرا ما يكون كله افتراء و كذبا
. و ما يترامي الينا من القال و
القيل نصفه كذبا . فالقصه التي
تتردد علي الألسنه قد لا تفقد
شيئا . لكن كثيرا ما تزداد كلما
انتقلت من شخص الي آخر . فمن
يتكلم كثيرا يكذب كثيرا . فلو ان
الناس لا يتكلمون سوي الصدق
لعاشوا في سلام كامل . فالسكوت
قلما يؤذي و لكن الكلام هو المرض
. يقولون أن الصمت حكمه لذلك ما
أقل الحكماء من الرجال و النساء.
ان المياه العميقه تبدو ساكنه .
بينما المياه الضحله قد تكون
كثيره الحركه . كذلك الأشخاص
كثيرو الكلام قليلو التعقل. ان
الصندوق الذي يحوي فضه و ذهبا .
قلما يفتح . و الأنسان الذي يحمل
دررا قلما يتكلم . ان الكلام أمر
طبيعي . لكن السكوت يحتاج الي
تدريب طويل . ان كان لابد لنا ان
نتكلم . فلنبتعد عن النميمه . و
عن التحدث في حق الأخرين . فقد
يجد البعض تسليتهم في كلام
النميمه . الا أن هذا الكلام يقتل
اولئك الذين نمسك سيرتهم . فكما
ان اليد قد تستخدم في قتل البشر
فأن اللسان ايضا يقتل صيت
الكثيرين . و هذا أشر و أدهي . أن
الذين تنبح الكلاب ضدهم قد لا
يكونون لصوصا . لكنهم يعاملون كما
لو كانوا كذلك . فالعالم يؤمن أنه
حيث الدخان لابد من وجود النار .
و ان ما يتفق عليه البشر لابد ان
يكون صدقا . فلنحترص اذا حتي لا
نسيء الي اخوتنا . خاصه في أمر
سمعتهم . لأن السمعه متي تلطخت
فليس من السهل اصلاحها . و متي
سجل أسم الشخص يوما في قائمه
الساقطين فليس من السهل أنتزاع
اسمه من هذه القائمه . فاذا اردنا
الا نخطيء في الكلام فلنتعلم أن
نقلل من الكلام . لو قسمنا خطايا
البشر الي قسمين لوجدنا أن نصفها
هو خطايا اللسان . و يقول الوحي
الألهي ( أن كان أحد لا يعثر في
الكلام فذاك رجل كامل قادر أن
يلجم كل الجسد ايضا ) أن مسك
السيره أو التشهير بالغير سواء من
جانب الرجال أو النساء . هو أمر
مخجل لأنه ينقل القصص و يسبب
النزاع . فلا تجعل من نفسك بوقا
في يد الشيطان يستخدمه لأشعال نار
الخصام بين البشر . فاذا كنت لا
تستطيع أن تقص جزءا من لسانك فليس
أقل من أن تصلح كلامك بملح النعمه
. فبدلا من أن تستخدم لسانك في ذم
البشر أستخدمه في مدح الفادي . لا
تكن كالأوزه التي ترفع صوتها
القبيح . أو كالبرميل الفارغ الذي
يعطي صوتا عاليا أو كالشوك الذي
يمزق لحم البشر . لكن أغلق فمك
حتي لا تدخله الحشرات و لا تخرج
منه كلام الشر . فكر كثيرا و تكلم
قليلا . كن مسرعا في العمل مبطئا
في التكلم .
يقوم اللسان بوظيفتي التذوق و
النطق و اللسان الرديء كثيرا ما
يستعبد صاحبه و يجلب عليه الشرور
و الويلات في تأديه هاتين
الوظيفتين . فقد يخضع المرء لحاسه
ذوقه فيصير شهوانيا شرها لا يهمه
الا التلذذ بأنواع الطعام و
الشراب حتي يصبح سخريه بين الناس
. علي أن الله يعلم الشرهين و
المغرمين بالمآكل و المشرب أن
يقتنعوا بكل ما تصل اليه ايديهم و
يأكلوا ما يقدم لهم . اما الخطر
الأعظم الذي يجلبه علينا اللسان
فيأتي عن النطق . و النطق هو ميزه
جليله يمتاز بها الأنسان عن
الحيوان . فبه يتباحث و يتفاهم
فتسهل أمامه أمور الحياه و تمهد
سبل الراحه و السعاده . فاللسان
هيء لقضاء المصالح و اسعاد الحياه
. و لكن الأنسان كثيرا ما يخطيء
التصرف فعوض ان يجعل لسانه وسيله
لأسعاده و هنائه يجعله وسيله
لتعاسته و شقائه و عوضا عن أن
يجعل لسانه ينبوعا عذبا يخرج
الماء الحلو , و لا ينطق الا
بالصالحات يجعله ينبوعا مالحا
يخرج المراره و لا يتكلم الا بما
هو معوج و رديء و اذا رغبت أن
تحكم علي انسان لتعرف ان كان
صالحا أو شرير يمكنك ان تحكم عليه
من اقواله لأن ( الأنسان الصالح
من الكــــنز الـــصالح في القلب
يخرج الـــصالحات و الأنسان
الشرير من الكنز الشرير يخرج
الشرور ) [ مت 12 : 35 ] . ( لأنه
من فضله القلب يتكلم الفم ) [ مت
12 : 34 ] . و كما ان الشجره تخرج
أثمارا من جنسها . هكذا كلام
الناس يكشف بواطنهم و اخلاقهم و
صفاتهم . ( من ثمارهم تعرفونهم )
[ مت 7 : 16 ] . فلا تقل أني صائم
صوما حقيقيا و لسانك غير صائم . و
قد كان الناس يتكلمون في يوم من
الأيام لغه واحده و لكن عندما
كثرت خطاياهم بلبل الله السنتهم
فأصبح لكل قبيله لسانها و لكل أمه
لغتها . و الواقع ان المرء يمكنه
أن يجعل لسانه ينبوعا عذبا يخرج
الماء الحلو . و لا ينطق الا
بالصالحات . أو يجعله ينبوعا
مالحا لا يخرج الا المراره و لا
يتكلم الا بما هو معوج و رديء و
قبيح . و ليس من المعقول أن يحاول
المرء أن يجعل لسانه الواحد ينطق
بالكلام الحسن و الرديء معا فكما
يقول القديس يعقوب الرسول ( العل
ينبوعا ينبع من نفس عين واحده
العذب و المر . هل تقدر يا أخوتي
تينه أن تصنع زيتونا أو كرمه تينا
؟ و لا كذلك ينبوع يصنع ماء مالحا
و عذبا . ) [ يع 3 : 11 ـ12 ] .
ما اتعس صاحب اللسان الدنس لأن
صلاته و كل عبادته لا يقبلها الله
. ( أن كان أحد فيكم يظن أنه دين
و هو لا يلجم لسانه فديانه هذا
باطله ) [ يع 1 : 26 ] . أحفظ
لسانك و قل دائما ( ضع يا رب
حارسا علي فمي ) . أحفظ لسانك
ليسكن في قلبك خوف الله لأن من
ينفلت لسانه فهو مازال عبدا . اما
من غلب لسانه فقد صار حرا .
|