مقالات   

                                                                      23/07/2007

محمد عماره ينسخ محمد عماره (2)

 

قال د. محمد عمارةعندما ظهر الإسلام كانت التوراة هي شريعة اليهود ، وكان الإنجيل شريعة النصاري ، وكان الإسلام شريعة المؤمنين بالدين الجديد من المسلمين .. ولما تحاكم اليهود إلي الرسول (ص) طلب الله منه أن يحكم بينهم بشريعتهم ويقضي فيهم بأحكام التوراة ، وكذلك طلب أن يكون تحاكم النصاري إلي الإنجيل والحكم بينهم بما فيه تماما مثلما طلب أن يكون تحاكم المسلمين إلي القرآن والحكم بينهم وفق آياته. ونبه في وضوح وحسم علي أن لكل أمة وملة من هذه الملل شرعة ومنهاجا " . فوحدة الدين حق ، ومن الحق أيضاً تعدد المناهج والشرائع بتعدد الأمم والرسالات .

ولقد عرضت آيات القرآن الكريم لهذه القضية عندما تحدثت عن تحاكم اليهود إلي الرسول عليه الصلاة والسلام  ، فقالت سماعون للكذب أكلون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين . وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين . إنا أنزلنا التوراة فيها هدي ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما ستحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون . وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له من لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون . وقفينا علي ءاثارهم بعيسي ابن مريم مصدقا لم بين يديه من التوراة وءاتيناه الإنجيل فيه هدي ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدي وموعظة للمتقين . وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون . وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوءاهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما ءاتاكم فاستبقوا الخيرات إلي الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون  "  المائدة42 ـ 48  , ثم يستطرد الدكتور عمارة ويقول :فنحن هنا أمام آيات قرآنية كريمة تعلمنا :

أن الله أنزل التوراة شريعة لليهود ، يحكم بها فيهم النبيون والربانيون والأحبار .. وأنزل الإنجيل ، شريعة للنصاري ، ليحكموا بينهم بما فيه-وأنزل القرآن ، شريعة للمسلمين ، يتحاكمون إليه ، ويحكمون بينهم بما فيه ..وأن إرادة الله وسنته أن تكون لكل أمة وملة شريعتها ومنهاجها لا أن يكونوا أمة واحدة ، أي شريعة واحدة ، فالدين واحد ، في العقائد ، أي في الأولوهية ، والعمل الصالح – " الإسلام " – والجزاء – " الدار الآخرة " – ولكنه في الشريعة يفتح الباب للتعدد بتعدد الأمم والرسالات ومن ثم فلا مجال لمن يأمل واهما في وحدة الشريعة التى تسمي تجاوزا وحدة الدين .. فالدين واحد ، وما نراه هو تعدد الشرائع أي الملل والأمم .. والتعدد المشروع هو في الشرائع أي الطرائق والمناهج والفروع .. لأن هذا الأمل الواهم ليس صعبا ولا مستحيلا فقط بدليل تجربة الانسانية علي مر التاريخ وإنما هو أيضاً معاكس لإرادة الله !

ثم لنقرأ كلمات المفسرين لهذه الآيات ليطمئن القلب لما يستخلصة منها من أحكام .. فهم يقولون في إرادة الله وحكمه بتعدد الشرائع  : " ..  والشرعة والشريعة : الطريقة لظاهرة التى يتوصل بها إلي النجاة .. ومعني الآية أنه جعل التوراة لأهلة ولأنجيل لأهلة والقرآن لأهلة .. وهذا في الشرائع والعبادات والأصل التوحيد لا خلاف فيه .. " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة " أي لجعل شريعتكم واحدة .. ولكن ليبلوكم فيما أتاكم .. أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم ، والابتلاء :الإختبار [الجامع لأحكام القرآن القرطبي جـ 6 ص211 .. الإسلام والوحدة الوطنية ص56 ـ 58 المصدر السابق ]

وفي موضع ثالث يقول في هذه الآيات المائدة44 , 45 و 47 إن الكتاب الذي تتحدث عنه الآيات طالبة الحكم بما فيه كشرط لعدم الكفر وعدم الظلم وعدم الفسق ليس هو القرآن كما يتوهم دعاة نظرية الحاكمية لله ، وأنما هو التوراة أو الإنجيل " . [قضايا إسلاميه الإسلام والسلطة الدينية ص59  المصدر السابق وفي تعليقه علي  المائدة46 " مصدقا لم بين يديه من التوراة " قال: أما حديث القرآن عن مكان محمد (ص)(من هذه القضية قضية مجيئه مصدقا لما سبقه وتقدمه من الدين وكذلك حديث القرآن عن تصديقه لما أنزل الله قبله من كتاب جنس الكتاب فهو حديث واضح وحاسم وطويل .. فالله سبحانه يتحدث عن موقف محمد المصدق لما تقدمة من دين فيقول : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم " (البقرة101  ) والقرآن الكريم قد جاء مصدقا لما سبقه من كتب إلهية ، وبالذات في أصول الدين وعقائده .. فالله يتحدث إلي بني إسرائيل طالبا منهم الإيمان بالقرآن فهو مصدق لما معهم من الكتاب وقت نزول القرآن ، أي التوراة القائمة بينهم في زمن البعثة ، مصدق لها في العقائد والأصول : "  وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم " ( البقرة41 "[الإسلام والوحدة الوطنية ص43  المصدر السابق ]

وفي تعليقه علي )البقرة41) " وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به " .قال د. محمد عمارة : " .. ولا تكونوا أول كافر به  .. " وهناك من المفسرين ( الجامع لأحكام القرآن القرطبي جـ 1 ص333  من يقول أن الضمير هنا عائد علي التوراة . [الإسلام والوحدة الوطنية ص 44 المصدر السابق ] لذلك كله علق د. محمد عمارة علي ( آل عمران :58) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين "قال :إن كلمة " مسلما " تعني مطيعا .. ومسلّما وجهة لله سبحانه ولا تعني أن يكون بالضرورة علي شريعة نبي الإسلام . [الإسلام والوحدة الوطنية ص47 ـ 49 المصدر السابق ]

هذا هو عمارة القرن العشرن أما عمارة القرن الحادي و العشرين فقد أختلف تماما ويبدو أنه استخدم اسلوب الناسخ والمنسوخ عندما هاجر من الإمام محمد عبده إلي محمد بن عبد الوهاب أو أيمن الظوهري ، فقد نسخ د. عمارة كل ما سبق . ففي كتابه : " فتنة التكفير بين الشيعة .. والوهابية .. والصوفية " قال في ص 38وأنا أقول أن الرحمة تشمل كثيراً من الأمم السالفة ، وإن كان أكثرهم يعرضون علي النار أما عرضة خفيفة حتي في لحظة أو ساعة وأما في مدة حتي يطلق عليهم أسم بعث النار .. بل أقول أن أكثر نصاري الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إنشاء الله ، اعني فإنهم ثلاثة اصناف : صنف لم يبلغهم اسم محمد (ص) أصلاً فهم معذورون .وصنف بلغهم اسمه ونعته وما ظهر عليه من المعجزات ، وهم المجاورن لبلاد الإسلام والمخالطون لهم ، وهم الكفار الملحدون . وصنف ثالث .. الخ ويقول قي ص41  والأصل المقطوع به أن كل من كذب محمداً ص فهو كافر ، أي مخلد في النار بعد الموت ومستباح الدم والمال في الحياة إلي جملة الأحكام إلا أن التكذيب علي مراتب :الرتبة الأولي : تكذيب اليهود والنصاري وأهل الملل كلهم من المجوس وعبدة الأوثان وغيرهم فتكفيرهم منصوص عليه في الكتاب ومجمع عليه بين الأمة . وهو الأصل وما عداه كالملحق به . الرتبة الثانية : تكذيب " البراهمة " المنكرين لأصل النبوات "والدهرية " المنكرين لصانع العالم .. الخ .. الرتبة الثالثة والرابعة والخامسة ... الخ [ كتاب قضايا إسلامية سلسة تصدر غرة كل شهر عربي - وزارة الأوقاف المجلس الأعلي للشئون الاسلامية القاهرة ذو الحجة 1427هـ ـ - ديسمبر 2006م العدد 142ومعني ما قاله الآتي : :وصف المسيحيين بالكفر . و وصف النصاري " المسيحيين " وساواهم بالزنادقة والمجوس وعبدة الأوثان .و طالب باستباحة دمهم ومالهم في الحياة .  وحكم عليهم بأنهم مخلدون في النار . و نسب إلي الأمة وتكلم علي لسانها بأنهم يكفرون المسيحيين وأكد أن هذا هو الأصل .

وقد علق محمد الباز علي عمارة ( القرن ال 21 قائلاً : " لن يتغير محمد عمارة .. يقدم نفسه لنا علي أنه مفكر إسلامي مستنير .. رغم أنه يخفي تحت جلده شخصية متعصبة عمياء لا تكاد تبصر ما أمامها .. أو تعرف عواقب ما تنزلق إليه .. يعتقد أن كل ما يقوله صواب .. أليس باحثا فذا .. أليس مؤلف لكتب بالعشرات .. أليس كاتباً تستضيفة العديد من الصحف .. أليس متحدثا في عديد من البرامج الدينية علي القنوات الرسمية فلماذا لا يحتمي بكل ذلك ويصب جام تعصبه علينا ؟ وإذا كانت الدولة تحميه .. فلماذا لا يقتحم كل الأسوار والحصون وينصب نفسه بطلا ومخلصا للإسلام من الأقباط الكفرة الذين لا يؤمنون بالنبي محمد " . [ جريدة الفجر 15/ 1 / 2007 صالة التحرير ص 5 العدد 84 ]

والسؤل : هل الإسلام الصحيح هو فكر عمارة في السبعينات أم فكره في القرن ال 21 أم اختلف العلماء ؟!! أما عن اعتذاره أمام نيابة أمن الدولة العليا عند التحقيق معه في الشكوي المقدمة التي يتهم فيها بالاساءة للدين المسيحي وإهدار دم الأقبط في كتابه الذي اشرنا اليه ، وقوله أنه فوجئ بما ورد في الكتاب ، وانه لم يكتب هذا الكلام من الأساس وانما حدث خطأ أثناء تدوين الكتاب في المطبعة وأن تلك العبارات المسيئة جاءت بالكتاب عن طريق الخطأ ، وأنه أخطأ بالفعل في عدم مراجعة الكتاب قبل تداوله وتأكيده أنه لا يجوز شرعا الإساءة للأقباط .. فلا نري هنا إلا إستخدامة " التقية " التى جعلت النيابة تتغاضي وتخلي سبيله

 

fathermarcosaziz@hotmail.com