مقـــالات   

 

لقاء الأحد : الرمزيه في الحياه القبطيه

 

الرمزية هي اللغة الطبيعية للخليقة ، فليس من أحد علم الحيوان المقتنص أن يصرخ ،ولا الرضيع المريض أن يبكي ، أو الرجل المتألم أن يتنهد ، هذه الرموز تصدر عن أصحابها حتى وان لم يدركوا معناها  ومن الملاحظ ان الناس عامة يبتسمون في حالة السرور ، لكنهم عندما يكونون حزاني فإنهم يكشرون ، وفي حالة الموافقة علي شئ نجد خفض الرأس علامة شبه متفق عليها من الجميع ، اما تحريك الرأس من جانب إلي آخر فيشير إلي الرفض ، كما ان هز الكتفين منظر مألوف لإظهار ان الشخص لا يري او لا يفهم ما تتحدث عنه ، وإظهار الأسنان يشير الي العداء ، واليدان المفتوحتان ترمزان إلي النزاهة . والحق إننا مهما زعمنا أن الآخرين لا يفهموننا ، واننا لا نفهمهم  فإننا لا نستطيع أن ننكر أننا ندرك بطريقة مباشرة في دموع الآخر حزنه ، وفي إحمرار وجنتيه خجله ، وفي كفيه المضمومين صلاته ، وفي نظرته الرقيقة حبه ، وفي إصفرار أسنانه غضبه ، وفي قبضة يده المتوعدة رغبته في الانتقام ، فما من إنسان يستطيع أن يخفي مشاعره دائما ، فإن صمتت شقتاه ثرثر بأطراف أصابعه !

ولأن الرموز تحمل من فيض المعاني الروحية ما تعجز الكلمات ان تعبر عنها ، جاء الكتاب المقدس يحوي بين صفحاته الذهبية الكثير من الرموز . فهناك رمزية الألوان ، فاللون الأبيض يشير الي الطهارة والنقاوة ، ولهذا عندما ظهر المسيح علي جبل التجلي كانت تيابه بيضاء كالثلج ( مر 9: 2 ، 3 ) وكان الملاك في قبر المسيح مرتديا ثوبا أبيض ( مت 28 : 3 ) ، و الكهنة والشمامسة يرتدون الحلل البيضاء أثناء الخدمات الطقسية و يلبس المعمدون الثياب البيضاء ، وكلها تشير إلي معني واحد ألا هو الطهارة التي يجب ان يتحلي بها المسيحيون عامة ورجال الدين خاصة ، وهكذا يرمز اللون الأحمر إلي الدم الذي يذكرنا بدم المسيح الذي سفك علي الصليب ، والأزرق إلي الحياة السمائية وقد تعدت الرمزية الألوان واللغة لتشمل الأرقام ، فنجد رقم (3) يرمز للثالوث القدوس ، ورقمي ( 7 ، 10 ) للكمال ، و ( 8 ) للحياة الجديدة ، بل ان هناك شخصيات كثيرة جاءت في الكتاب المقدس كرمز للمسيح من عدة جوانب ، مثل  يوسف واسحق، فعنصر الألم يربط بين هاتين الشخصيتين وبين المسيح ، كما أن هناك أحداثا كثيرة مثل سلم يعقوب ، وعبور البحر الحمر ، كانت رمزا للصليب والمعمودية .

ألم يصف لنا الكتاب المقدس شعر الله بانه أبيض كالصوف ، فهل لله شعر ؟ ثم كيف يشيخ الله وهو روح ؟ من الناحية الحرفية هناك معضلة ! أما التفسير الرمزي فيحل المشكلة إذ يوضح لنا ان هذا الوصف إنما يشير إلي حكمة الله غير المحدودة ، التي تفوق حكمة أكبر الشيوخ سنا ، فالمقصود إظهار حكمة الله لا شيوخته ، وبنفس الاسلوب يمكن تفسير العبارات الواردة عن الله مثل " عيناه " و " أذناه " فليس المقصود تجسيم الله لأن الله كما قلنا " روح " إلا أن الوحي الإلهي قد استخدم مثل هذه العبارات الرمزية للتعبير عن قدرة الله الفاحصة الأمور التي يرمز إليها بالعين ، وكتوضيح أن الله يسمع كل شئ حتى الهمسات ، وما يقال في الخفاء ، وهذا يرمز اليه بالأذن .

وتتجلي الرمزية بكل وضوح في سفر النشيد ، فهو يتحدث عن علاقة المسيح بكنيسته بأسلوب رمزي ولا يفسر إلا بطريقة رمزية ، فالتفسير الحرفي يعجز عن حل غوامض هذا السفر ، وعلي سبيل المثال قول الكتاب : " أختي العروس ( نش 4 : 9 ) من الناحية الحرفية يستحيل ان تكون الأخت عروسا ، أما من الناحية الرمزية فالمسيح دعاها أخته لأنه أخذ طبيعتنا البشرية عند تجسده ، ولنه جعلنا شركاء الطبيعة الإلهية بتقديسة إيانا ، ولأنه كما يقول " من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو اخي واختي وأمي " ( مت 12 : 5 ) ، أما دعوة الكنيسة بالعروس فأنه دخل مع الكنيسة في زيجة روحية لا تنفصم إلا بالموت .

وقد تجلت الرمزية بكل وضوح في شكل الكنيسة ، فالمبني الكنسي هو إنجيل مفتوح كتب بلغة المنظورات التي يفهمها الجميع، فحينما تبني الكنيسة علي شكل صليب إنما تعلن عن طبيعتها السرية كجسد المسيح المصلوب ، رسالتها تكمن في سحب البشرية إلي الجلجثة لتمارس إتحادها مع مخلصها المحبوب  وعندما يتخذ المبني الكنسي شكل الدائرة ، فهو يرمز الي طبيعة الكنيسة الأبدية التي حملتها عن الله ، فالدائرة ترمز إلي الله الذي لا بداية له ولا نهاية ، اما إذا إتخذت الكنيسة شكل سفينة ففي هذا إشار إلي فلك نوح رمز الخلاص .

هذا وقد امتدت الرمزية الي الحياة المسيحية لتشمل المأكولات ، فما أن ياتي عيد " النيروز " حتي نتذكر " البلح " و " الجوافة " وما يشيران إليه من معان روحية جميلة ،

البلح : في لونه الأحمر يذكرنا بدم الشهداء الذي سفك حبا في فاديهم ، وفي حلاوته يذكرنا بحلاوة الإيمان ، وفي صلابة باطنه ( النواة ) نتذكر صلابة الشهداء وتمسكهم بإيمانهم إلي النفس الأخير

الجوافة: إذا قطعت بطريقة دائرية ظهر صليب من البذار علي كل قطعة نقطعها ، والصليب يرمز إلي الألم الذي احتمله الشهداء .

وفي عيد الغطاس تمتلئ البيوت " بالقلقاس " وليس عبثا نأكل هذا الطعام بالذات في عيد الغطاس ، فهناك أطعمة كثيرة أشهي منه ، لكننا في الحقيقة نأكل القلقاس لأنه يقربنا من معمودية المسيح ففي القلقاس مادة سامة ومضرة للحنجرة ، وهي المادة الهلامية ، إلا ان هذه المادة السامة إذا اختلطت بالماء تحولت إلي مادة نافعة ، مغذية ، ونحن من خلال الماء نتطهر من سموم الخطية كما يتطهر " القلقاس " من مادته السامة بواسطة الماء !

و القلقاس يدفن في الأرض ثم يصعد ليصير طعاما ، والمعمودية هي دفن أو موت وقيامة مع المسيح ، ولهذا يقول معلمنا بولس الرسول " مدفونين معه في المعمودية التي فيها أقمتم أيضا معه " (كو 2 : 12 ) ( رو 6 : 4 ) .

والقلقاس لا يؤكل إلا بعد خلع القشرة الخارجية ، فبدون تعريته يصير عديم الفائدة ، فلا بد أولا  من خلع القشرة الصلدة قبل اكله ، ونحن في المعمودية نخلع ثياب الخطية لكي نلبس بالمعمودية الثياب الجديدة الفاخرة ، ثياب الطهارة والنقاوة ، لنصير أبناء الله .

وحيثما يقترب عيد " شم النسيم " نشعر بدافع قوي ، بحكم العادة الموروثة يدفعنا إلي التفكير في البيض خاصة المسلوق والسمك أو الفسيخ والبصل ، إنها أكلات شعبية موروثة ، تحمل في داخلها معاني ورموزا ، نبتت من أفكار لاهوتية ، وتشير إلي اشياء لاهوتية ، فليس عبثا كان أباؤنا يأكلون هذه المأكولات وهم الذين عرف عنهم النسك وقمع اللذات الجسدية ، إنما كانوا ياكلونها لأنها تشير بكل وضوح إلي السيد المسيح من عدة جوانب مختلفة . فما هي قصة هذه المأكولات ؟ ولماذا تؤكل في يوم " شم النسيم " بالذات هذا ما سوف نتحدث عنه التفصيل .

السمك و ارتباطه بالمسيحيه: أما السمك فهو من المخلوقات التي خلقها الله وسلط عليها الإنسان ، كما سلطه علي الحيوانات وكل ما يدب علي الأرض " وقال الله نعمل الإنسان علي صورتنا كشبهنا ، فيتسلطون علي سمك البحر وعلي طير السماء وعلي البهائم وعلي كل الأرض وعلي جميع الدبابات التي تدب علي الأرض " ( تك 1 : 26 ) ، غير ان الناموس ميز بين السمك الطاهر والسمك النجس (لا 11 : 9 12) ويكثر السمك في فلسطين ، ولا سيما في بحر الجليل ، وقد ذكر الكتاب المقدس ان سليمان الحكيم كانت له معرفة بأسماك فلسطين ( 1 مل 4 : 33 ) ، كما ذكر أن العبرانيين اشتاقوا الي سمك النيل وهم في طريقهم إلي أرض كنعان إذ قالوا : " قد تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصر مجانا " ( عد 11 : 5 ) . ومن المعروف ان صيد السمك كان الحرفة الأساسية لمعظم سكان فلسطين ، اما الصيادون فكانوا يأتون بالسمك ليبيعوه في أورشليم ، وكان هناك باب يدخلون منه يسمي باب السمك ( 2 أخ 33 : 14 ) ، ومن الملاحظ ان بيت صيدا تعني بيت الصيد لأن أهلها اشتعلوا بصيد السمك . ( يتبع )