الرمزية هي اللغة الطبيعية
للخليقة ، فليس من أحد علم
الحيوان المقتنص أن يصرخ ،ولا
الرضيع المريض أن يبكي ، أو
الرجل المتألم أن يتنهد ، هذه
الرموز تصدر عن أصحابها حتى
وان لم يدركوا معناها ومن
الملاحظ ان الناس عامة
يبتسمون في حالة السرور ،
لكنهم عندما يكونون حزاني
فإنهم يكشرون ، وفي حالة
الموافقة علي شئ نجد خفض
الرأس علامة شبه متفق عليها
من الجميع ، اما تحريك الرأس
من جانب إلي آخر فيشير إلي
الرفض ، كما ان هز الكتفين
منظر مألوف لإظهار ان الشخص
لا يري او لا يفهم ما تتحدث
عنه ، وإظهار الأسنان يشير
الي العداء ، واليدان
المفتوحتان ترمزان إلي
النزاهة . والحق إننا مهما
زعمنا أن الآخرين لا يفهموننا
، واننا لا نفهمهم فإننا لا
نستطيع أن ننكر أننا ندرك
بطريقة مباشرة في دموع الآخر
حزنه ، وفي إحمرار وجنتيه
خجله ، وفي كفيه المضمومين
صلاته ، وفي نظرته الرقيقة
حبه ، وفي إصفرار أسنانه غضبه
، وفي قبضة يده المتوعدة
رغبته في الانتقام ، فما من
إنسان يستطيع أن يخفي مشاعره
دائما ، فإن صمتت شقتاه ثرثر
بأطراف أصابعه !
ولأن الرموز تحمل من فيض
المعاني الروحية ما تعجز
الكلمات ان تعبر عنها ، جاء
الكتاب المقدس يحوي بين
صفحاته الذهبية الكثير من
الرموز . فهناك رمزية الألوان
، فاللون الأبيض يشير الي
الطهارة والنقاوة ، ولهذا
عندما ظهر المسيح علي جبل
التجلي كانت تيابه بيضاء
كالثلج ( مر 9: 2 ، 3 ) وكان
الملاك في قبر المسيح مرتديا
ثوبا أبيض ( مت 28 : 3 ) ، و
الكهنة والشمامسة يرتدون
الحلل البيضاء أثناء الخدمات
الطقسية و يلبس المعمدون
الثياب البيضاء ، وكلها تشير
إلي معني واحد ألا هو الطهارة
التي يجب ان يتحلي بها
المسيحيون عامة ورجال الدين
خاصة ، وهكذا يرمز اللون
الأحمر إلي الدم الذي يذكرنا
بدم المسيح الذي سفك علي
الصليب ، والأزرق إلي الحياة
السمائية وقد تعدت الرمزية
الألوان واللغة لتشمل الأرقام
، فنجد رقم (3) يرمز للثالوث
القدوس ، ورقمي ( 7 ، 10 )
للكمال ، و ( 8 ) للحياة
الجديدة ، بل ان هناك شخصيات
كثيرة جاءت في الكتاب المقدس
كرمز للمسيح من عدة جوانب ،
مثل يوسف واسحق، فعنصر الألم
يربط بين هاتين الشخصيتين
وبين المسيح ، كما أن هناك
أحداثا كثيرة مثل سلم يعقوب ،
وعبور البحر الحمر ، كانت
رمزا للصليب والمعمودية .
ألم يصف لنا الكتاب المقدس
شعر الله بانه أبيض كالصوف ،
فهل لله شعر ؟ ثم كيف يشيخ
الله وهو روح ؟ من الناحية
الحرفية هناك معضلة ! أما
التفسير الرمزي فيحل المشكلة
إذ يوضح لنا ان هذا الوصف
إنما يشير إلي حكمة الله غير
المحدودة ، التي تفوق حكمة
أكبر الشيوخ سنا ، فالمقصود
إظهار حكمة الله لا شيوخته ،
وبنفس الاسلوب يمكن تفسير
العبارات الواردة عن الله مثل
" عيناه " و " أذناه " فليس
المقصود تجسيم الله لأن الله
كما قلنا " روح " إلا أن
الوحي الإلهي قد استخدم مثل
هذه العبارات الرمزية للتعبير
عن قدرة الله الفاحصة الأمور
التي يرمز إليها بالعين ،
وكتوضيح أن الله يسمع كل شئ
حتى الهمسات ، وما يقال في
الخفاء ، وهذا يرمز اليه
بالأذن .
وتتجلي الرمزية بكل وضوح في
سفر النشيد ، فهو يتحدث عن
علاقة المسيح بكنيسته بأسلوب
رمزي ولا يفسر إلا بطريقة
رمزية ، فالتفسير الحرفي يعجز
عن حل غوامض هذا السفر ، وعلي
سبيل المثال قول الكتاب : "
أختي العروس ( نش 4 : 9 ) من
الناحية الحرفية يستحيل ان
تكون الأخت عروسا ، أما من
الناحية الرمزية فالمسيح
دعاها أخته لأنه أخذ طبيعتنا
البشرية عند تجسده ، ولنه
جعلنا شركاء الطبيعة الإلهية
بتقديسة إيانا ، ولأنه كما
يقول " من يصنع مشيئة أبي
الذي في السموات هو اخي واختي
وأمي " ( مت 12 : 5 ) ، أما
دعوة الكنيسة بالعروس فأنه
دخل مع الكنيسة في زيجة روحية
لا تنفصم إلا بالموت .
وقد تجلت الرمزية بكل وضوح في
شكل الكنيسة ، فالمبني الكنسي
هو إنجيل مفتوح كتب بلغة
المنظورات التي يفهمها
الجميع، فحينما تبني الكنيسة
علي شكل صليب إنما تعلن عن
طبيعتها السرية كجسد المسيح
المصلوب ، رسالتها تكمن في
سحب البشرية إلي الجلجثة
لتمارس إتحادها مع مخلصها
المحبوب وعندما يتخذ المبني
الكنسي شكل الدائرة ، فهو
يرمز الي طبيعة الكنيسة
الأبدية التي حملتها عن الله
، فالدائرة ترمز إلي الله
الذي لا بداية له ولا نهاية ،
اما إذا إتخذت الكنيسة شكل
سفينة ففي هذا إشار إلي فلك
نوح رمز الخلاص .
هذا وقد امتدت الرمزية الي
الحياة المسيحية لتشمل
المأكولات ، فما أن ياتي عيد
" النيروز " حتي نتذكر "
البلح " و " الجوافة " وما
يشيران إليه من معان روحية
جميلة ،
البلح
:
في لونه الأحمر يذكرنا بدم
الشهداء الذي سفك حبا في
فاديهم ، وفي حلاوته يذكرنا
بحلاوة الإيمان ، وفي صلابة
باطنه ( النواة ) نتذكر صلابة
الشهداء وتمسكهم بإيمانهم إلي
النفس الأخير
الجوافة:
إذا قطعت بطريقة دائرية ظهر
صليب من البذار علي كل قطعة
نقطعها ، والصليب يرمز إلي
الألم الذي احتمله الشهداء .
وفي عيد الغطاس تمتلئ البيوت
" بالقلقاس " وليس عبثا نأكل
هذا الطعام بالذات في عيد
الغطاس ، فهناك أطعمة كثيرة
أشهي منه ، لكننا في الحقيقة
نأكل القلقاس لأنه يقربنا من
معمودية المسيح ففي القلقاس
مادة سامة ومضرة للحنجرة ،
وهي المادة الهلامية ، إلا ان
هذه المادة السامة إذا اختلطت
بالماء تحولت إلي مادة نافعة
، مغذية ، ونحن من خلال الماء
نتطهر من سموم الخطية كما
يتطهر " القلقاس " من مادته
السامة بواسطة الماء !
و القلقاس يدفن في الأرض ثم
يصعد ليصير طعاما ،
والمعمودية هي دفن أو موت
وقيامة مع المسيح ، ولهذا
يقول معلمنا بولس الرسول "
مدفونين معه في المعمودية
التي فيها أقمتم أيضا معه "
(كو 2 : 12 ) ( رو 6 : 4 ) .
والقلقاس لا يؤكل إلا بعد خلع
القشرة الخارجية ، فبدون
تعريته يصير عديم الفائدة ،
فلا بد أولا من خلع القشرة
الصلدة قبل اكله ، ونحن في
المعمودية نخلع ثياب الخطية
لكي نلبس بالمعمودية الثياب
الجديدة الفاخرة ، ثياب
الطهارة والنقاوة ، لنصير
أبناء الله .
وحيثما يقترب عيد " شم النسيم
" نشعر بدافع قوي ، بحكم
العادة الموروثة يدفعنا إلي
التفكير في البيض خاصة
المسلوق والسمك أو الفسيخ
والبصل ، إنها أكلات شعبية
موروثة ، تحمل في داخلها
معاني ورموزا ، نبتت من أفكار
لاهوتية ، وتشير إلي اشياء
لاهوتية ، فليس عبثا كان
أباؤنا يأكلون هذه المأكولات
وهم الذين عرف عنهم النسك
وقمع اللذات الجسدية ، إنما
كانوا ياكلونها لأنها تشير
بكل وضوح إلي السيد المسيح من
عدة جوانب مختلفة . فما هي
قصة هذه المأكولات ؟ ولماذا
تؤكل في يوم " شم النسيم "
بالذات هذا ما سوف نتحدث عنه
التفصيل .
السمك و ارتباطه بالمسيحيه:
أما السمك فهو من المخلوقات
التي خلقها الله وسلط عليها
الإنسان ، كما سلطه علي
الحيوانات وكل ما يدب علي
الأرض " وقال الله نعمل
الإنسان علي صورتنا كشبهنا ،
فيتسلطون علي سمك البحر وعلي
طير السماء وعلي البهائم وعلي
كل الأرض وعلي جميع الدبابات
التي تدب علي الأرض " ( تك 1
: 26 ) ، غير ان الناموس ميز
بين السمك الطاهر والسمك
النجس (لا 11 : 9
–
12) ويكثر السمك في فلسطين ،
ولا سيما في بحر الجليل ، وقد
ذكر الكتاب المقدس ان سليمان
الحكيم كانت له معرفة بأسماك
فلسطين ( 1 مل 4 : 33 ) ، كما
ذكر أن العبرانيين اشتاقوا
الي سمك النيل وهم في طريقهم
إلي أرض كنعان إذ قالوا : "
قد تذكرنا السمك الذي كنا
نأكله في مصر مجانا " ( عد 11
: 5 ) . ومن المعروف ان صيد
السمك كان الحرفة الأساسية
لمعظم سكان فلسطين ، اما
الصيادون فكانوا يأتون بالسمك
ليبيعوه في أورشليم ، وكان
هناك باب يدخلون منه يسمي باب
السمك ( 2 أخ 33 : 14 ) ، ومن
الملاحظ ان بيت صيدا تعني بيت
الصيد لأن أهلها اشتعلوا بصيد
السمك . ( يتبع )