مقالات   

                                                                      23/07/2007

قبول الآخر أم قبور الآخر ؟ (2)

 

ـ "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.." (الأنفال: 39) وهي مكررة أي مؤكدة في البقره 193 وقد اتجه كثير من المفسرين إلى تفسير الفتنة بالشِّرك، وفسرها البعض الآخربالكُفر..( المصدر السابق- ص155).قال القرطبي في تفسيره: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (البقرة: 193)، قال: أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع.. وهو أمر بقتال مُطلَق لا بشرط أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله تعالى: (الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) ، وقال (ع): (أُمِرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله) فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكُفر لأنه قال: (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي كُفر، فجعل الغاية عدم الكفر وهذا ظاهر. ( راجع وقفات مع د. البوطي في كتابه عن الجهاد – لعبد الآخر حماد الغنيمي- ص91- دار البيارق للنشر- الأردن-) .

ويقول ابن كثير: ] ثم أمر تعالى بقتال الكفار: (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي : شِرك. قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والرّبيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، وزيد بن أسلم.

(ويكون الدين كله لله) أي يكون دين الله هو الظاهر على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قول النبي: " مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". وفي الصحيحين أيضاً: أُمِرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله... [  ( راجع تفسير ابن كثير- (1/329)- مصدر سابق ) .

وقال الإمامان الجلالان في تفسيرهما: (فتنة) شِرك.

لذلك يقول د. عبد الآخر حمّاد الغنيمي (من علماء الإسلام) : "وقد يتفهم المسلم الواعي موقف الغرب الكافر من قضية الجهاد في الإسلام؛ فالعارفون من الغربيين يعلمون جيداً أن غاية الجهاد في الإسلام ان لا يبقى في الأرض دين غير الإسلام كما قال تعالى: (وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) (الأنفال : 39) والفتنة الشِّرك كما قال ابن عباس وغيره من السلف.  ( راجع وقفات مع د. البوطي.. – ص5، 6- مصدر سابق ). ويقول د. عبد الآخر الجهاد في الاصطلاح الشرعي هو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله – ( انظر المصدر ).

وفي موضع آخر يقول: " ولما كان الأمر كذلك كان من أهم ما ينبغي على دعاة الإسلام أن يوقظوا في الأمة روح الجهاد، مبينين لهم فضل قتال أعداء الله عز وجل وأن في الجهاد القتالي عزَّهم وشرفَهم، كما أنه ينبغي أن تبقى فكرة الجهاد مستقرة في ذهن المسلم حتّى في زمن سقوطه عنه لعجزه وعدم قدرته، ليبقى مستعداً للقيام بهذا الواجب عند تحصيله القدرة اللازمة له، وصَحَّ عن النبي (صلعم) أنه قال: "مَن مات ولم يَغزُ، ولم يُحَدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق" (أخرجه مسلم وأبو داود والنّسائي من حديث أبي هريرة) . ( المصدر السابق- ص27 ) .

يقول د. عبد الآخر في كلامه عن مراحل القتال في القرآن: ] " وثالثة هذه المراحل مرحلة قتال المشركين كافة: مَن قاتلنا منهم ومَن لم يقاتل، وغزوهم في بلادهم حتّى لا تكون فتنة (شِرك) ويكون الدين كله لله، وهذه المرحلة هي التي استقر عندها حكم الجهاد، ومات عليها رسول الله (صلعم)، وفي هذه المرحلة نزلت آية السيف وهي قوله تعالى: "فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ..." (التوبة : 5). وقوله تعالى: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ" (التوبة: 29)

وفي الصحيح: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله". (أخرجة البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وأحمد) وفيه أيضاً قوله (صلعم) : "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا مَن كفر بالله، ...".

وهذه المرحلة ناسخة لِما قبلها من المراحل، قال ابن عطية في تفسيره لآية السيف : "وهذه الآية نسخت (ألغت) كل موادعة في القرآن أو ما جرى مجرى ذلك، وهي على ما ذُكِر مائة وأربع عشرة آية.. ".

وقال الشوكاني: "أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية... وما ورد في موادعتهم أو تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ بإجماع المسلمين".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فكل مَن بلغته دعوة الرسول (صلعم) إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجب له فإنه يجب قتاله (حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)... وقال ابن القيم: "وكان محرما (القتال) ثم مأذوناً به ثم مأموراً به لمَن بدأهم بالقتال ثم مأموراً به لجميع المشركين..". (عن زاد المعاد)

فقد ظهر من ذلك كله أن الجهاد في الإسلام قد مَرّ بمراحل كان نهايتها الأمر بقتال المشركين سواء بدأونا بقتال أم لا، وكان ذلك الحكم ناسخاً لِما قبله من الأحكام، .. [.  ( راجع المصدر السابق- ص42-44).

لذلك يقول الإمام أبو الأعلى المودودي تحت عنوان (الحاجة إلى الجهاد وغايته): والذي أردت تبيينه والكشف عن حقيقته بمناسبة الموضوع الذي نحن بصدده الان، هو أن الإسلام ليس بمجرد مجموعة من العقيدة الكلامية وجملة من المناسك والشعائر، كما يُفهَم من معنى الدين في هذه الأيام، بل الحق أنه نظام كلّي شامل يريد أن يقضي على سائر النُّظُم الباطلة الجائرة في العالم ويقطع دابرها ويستبدل بها نظاماً صالحاً ومنهاجاً معتدلاً يرى أنه خير للإنسانية من النُّظُم الأخرى، وأن فيه نجاة للجنس البشري من أدواء الشر والطغيان وسعادة له وفلاحاً في العاجلة والآجلة معاً.

وتحت عنوان (الانقلاب العالمي الشامل) يقول: "لعلك تبينت مما أسلفنا أنفاً أن غاية "الجهاد في سبيل الإسلام" هو هدم بنيان النظم المناقضة لمبادئه وإقامة حكومة مؤسسة على قواعد الإسلام في مكانها واستبدالها بها. وهذه المهمة، مهمة إحداث انقلاب إسلامي عام، غير منحصرة في قُطر دون قُطر، بل ما يريده الإسلام ويضعه نُصب عينيه أن يحدث هذا الانقلاب الشامل في جميع أنحاء المعمورة... إلخ [  ( راجع الجهاد للأئمة الثلاثة.. – ص35، 40- المختار الإسلامي للنشر- الفجالة-)

ـ في (التوبة : 33) ومكررة في (الفتح : 28) و(الصف : 9):" هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ".

قال البيضاوي: أي على سائر الأديان فينسخها، أو على أهلها فيخذلهم. وقال : هي كالبيان لقوله: "ويأبَى الله إلاّ أن يُتِمَّ نُورَه". ( راجع تفسير الإمام البيضاوي (3/142) – دار الفكر للنشر- 1416هـ/1996م- تحقيق الشيخ عبد القادر عرفات العشا حسونة- إشراف مكتب البحوث والدراسات- بيروت – لبنان)

وقال ابن كثير : (ليظهره على الدين كله)، أي: على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيح، عن رسول الله (ص) أنه قال: " إن الله زوى (جمَع) لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أمّتي ما زوي لي منها" (رواه مسلم).

( راجع تفسير ابن كثير (7/78) –مصدر سابق 4-119-220-977 ) ويقول صالح الورداني: "للآية دلالة مستقبلية هامة؛ فهذا الحدث وهو ظهور الدين الحق – الإسلام – على الأديان كلها لم يحدث في أي فترة من فترات التاريخ الإسلامي لا في زمن الرسول ولا في أي زمن من بعده، وهذا الأمر إن دَلّ على شيء فإنما يدل على أن هناك قوة مدعومة من قِبَل الله سبحانه - سوف تظهر لتحقق ظهور الإسلام على أديان الأرض – أي نهاية جميع الأديان عدا الإسلام". ( راجع الخدعة للورداني- ص183- الطبعة الثالثة977 ).

وفي (التوبة: 123) : " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " . قال القرطبي: إنه سبحانة عرفهم كيفية الجهاد، وأن الابتداء بالأقرب فالأقرب من العدو؛ ولهذا بدأ رسول الله (صلعم) بالعرب، فلما فرغ قصد الروم وكانوا بالشام. ( راجع الجهاد في الإسلام للشيخ محمد متولي الشعراوي ) .. يقول ابن كثير : وكلما علوا أمّة انتقلوا إلى مَن بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالاً لقوله تعالى: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ" ، وقوله تعالى : " وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً " أي وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقاً بأخيه المؤمن غليظاً على عدوه الكافر... وقال تعالى: " يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ". ( التوبة : 73)، وفي الحديث أن رسول الله (ص) قال: " أنا الضحوك القَتّال، يعني: أنّه ضحوك في وجه وليّه، قتّال لهامة عدوه.  ( راجع تفسير ابن كثير (4/174، 175) – مصدر سابق) .             ( و للحوار بقيه )

 

fathermarcosaziz@hotmail.com