|
حوار مع معترض (3)
بقلم القمص مرقس عزيز خليل
نستكمل اليوم الحلقه الثالثه من حوار مع معترض
قال : كيف تنادون بالانجيل بينماالاسلام نسخ ( الغي ) كل الديانات التي سبقته ? وأيضا : " كل نبي في أيام موسى وبعده , كان على شريعة موسى وتابعا لكتابه - وكل نبي في زمن المسيح وبعده كان على شريعة المسيح وتابعا لكتابه , الى زمن محمد . أما شريعة محمد فلن تنسخ الى يوم القيامة " .
قلت : انا اشكرك علي تساؤلاتك و افكارك ويسعدني ان يقوم جسر من التفاهم بيننا . واحب اولا ان اوضح المقصود بكلمة " نسخ " فربما لا تكون عارفا بمعني ما تردده من الفاظ , ثم ارد بعد ذلك على سؤالك : النسخ في اللغة هو ابطال الشيء واقامة شيء آخر مقامه . و القول بنسخ دين المسيح هو قول باطل لا يسنده لا قول قرآني , ولا حديث اسلامي . ولو كان عند أحد القراء دليل فليعلنه. فالاسلام يقول عكس ذلك . ان هناك براهين كثيرة في صف استمرار المسيحية وتعاليمها , ففي سورة المائدة الآية 86 يقول : " يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والانجيل . فالقرآن يحث اهل الكتاب على اقامة شرائعهم واتباع عقائدهم التي جاءت في التوراة والانجيل . لو كانت شرائعهم قد نسخت ( أي أبطلت ) وحل القرآن محلها لقال : " يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا القرآن . وفي سورة المائدة الآية 74 يقول : " وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " ولو كان الله يريد ان ينسخ التوراة والانجيل بالقرآن , لما قال القرآن لمحمد في سورة المائدة الآية 34 : " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة , فيها حكم الله " . وفي سورة يونس الآية 49 يقول : " فان كنت في شك مما أنزلنا اليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ".
ــ و يعلن القرآن استمرار المسيحية وكتبها المقدسة , حيث اورد قصص الآنبياء باختصار وايجاز , بينما أوردتها التوراة والأنجيل بتفصيل يجعلهما مرجعا وافيا للتوضيح . والقرآن نفسه في سورة النحل 34 يقول : " وما أرسلنا من قبلك الا رجالا نوحي اليهم . فاسألوا أهل الذكر ان كنتم تعلمون ". وفي سورة الشهداء الآيات 391 - 691 : " نزل الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين , وانه لفي زبر الأولين " ( أي في كتب الأولين ) هذا يعني أن التوراة والانجيل يحتويان على ما جاء في القرآن من أحكام وشرائع وتعاليم أخلاقية , بحيث لا يمكن أن ينسخا لأنهما شريعة الله .
ولعل فكرة النسخ اختلطت في ذهنك يا عزيزي صاحب السؤال- فالقرآن لم يذكر أبدا نسخ التوراة والأنجيل
ــ لقد رجعت الى " المعجم المفهرس لألفاظ القرآن " فوجدت انه ذكر " النسخ " مرتين في القرآن . أولهما في سورة البقرة 601 : " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " والثانية في سورة الحج 52 : " وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الا اذا تمنى القى الشيطان في امنيته , فينسخ الله ما يلقي الشيطان , ثم يحكم الله آياته "
ــ كما رجعت الي كتاب " اسباب النزول " لجلال الدين السيوطي , فوجدته يذكر سبب نزول " ما ننسخ من آية أو ننسها نآت بخير منها أو مثلها " قال : اخرج ابنا أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : " كان ربما ينزل الوحي على النبي بالليل , بالنهار , فأنزل الله " ما ننسخ من آية أو ننسها تأت بخير منها أو مثلها . وواضح يا صديقي أن القول " ننسخ آية " لا يقصد به الأنجيل أو التوراة . أما سبب نزول " فينسخ الله ما يلقي الشيطان " فيقول جلال الدين السيوطي في كتابه " اسباب النزول " قرأ النبي بمكة والنجم .... فلما بلغ " " أفرأيتم اللات والعزى , ومناة الثالثة الأخرى " ألقي الشيطان على لسانه : تلك العرانيق العلا وان شفاعتهن لترتجى " فقال المشركون : " ما ذكر الهتنا بخير قبل اليوم " فسجد محمد وسجدوا فنزلت هذه الآية " وما ارسلنا من قبلك رسول ولا نبي الا اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته , فينسخ الله ما يلقي الشيطان , ثم يحكم الله آياته , والله عليم حكيم " .
ــ وواضح يا عزيزي أن الله حسب هذا النص نسخ ما القاه الشيطان في أمنية النبي المسلم ولا اشارة هنا بالمرة للتوراة ولا للأنجيل .
وآود ان آضيف ردا رابعا على القائلين بأن الاسلام نسخ المسيحية ... وهو ان ملايين البشر اليوم في كل انحاء العالم يعملون بموجب أحكام التوراة والانجيل , فحكمها ما زال قائما . ولا يستطيع احد ان ينكر فضل الكتاب المقدس على المدنيات الحديثة . ولا عجب في ذلك , فان الذي يقرأ التوراة والانجيل يجد بينهما تناسقا واتفاقا , بلا تغير ولا تبديل . لقد كتب أسفار الكتاب المقدس بأيدي أناس مسوقين من الروح القدس . كتبوه في فترة بلغت 1900 سنة , اشترك في كتابته أكثر من أربعين كاتبا من كل مسالك الحياة , فيهم الملك والفيلسوف والفلاح والصياد والشاعر والعامي , وناقشوا فيه قضايا مثيرة للاختلاف مثل الله , والانسان , والخطية , والفداء , والخلاص , ولكن في تناسق مذهل , بدون تناقض . لو اننا درسنا بعض ما كتبه مجموعة من أدباء عرب معاصرين عن موضوع واحد لوجدنا خلافات جذرية بينهم - كلهم عرب - كلهم في عصر واحد . أما الكتاب المقدس فهو متجانس بدون تناقض رغم الفترة الزمنية التي كتب فيها , ورغم اختلاف مشارب الذين كتبوه . والسبب في ذلك هو أن الله أوحى به , الله الذي أعطاه . وهذاهو السر في أنه الكتاب المقدس ظل و سيظل صامدا ثابتا الي نهايه الأيام فهل بعد ذلك نقول ان الكتاب قد نسخ , أو ان الاسلام قد نسخ دين المسيح ? ان الله ما زال يحافظ على كلمته .
لقد حافظ الله على الكتاب المقدس وسط الاضهاد , حيث حاول كثيرون أن يحرقوه أو أن يمنعوا نشره منذ أيام اباطرة الرومان وحتى اباطرة الحكم الشيوعي , ولكنهم لم يفلحوا . هزأ بهم كثيرون وهاجمه كثيرون , وصار الهازئون المهاجمون في خبر كان , وانتهوا هم وبقي كتاب الله . وقال الملحد المشهور فولتير: " بعد مائة سنة ستكون المسيحية قد أمحت وصارت تاريخا " , وصار فولتير في ذمة التاريخ , ولم تمض خمسون سنة على وفاته حتى استعملت جمعية نشر الكتاب المقدس مطبعة ومنزل فولتير لنشر الكتاب المقدس . وقبله سنة 303 م أصدر الامبراطور الروماني دقلديانوس أمرا باحراق الكنائس والكتب المقدسة وحرمان كل مسيحي من الحقوق المدنية , ولكن الذي خلف دقلديانوس على العرش وهو قصطنطين آمن بالمسيح , وآوصى يوسابيوس بنسخ خمسين نسخة من الكتاب المقدس على نفقة الحكومة الرومانية .
صديقي الحبيب, المسيحية من الله وكتابها يحوي الحق الذي اعطاه الله . وجوهر المسيحية هو المحبة , فالله المحبة أحبنا , وبرهن على حبه لنا في المسيح . فلذلك فنحن نحبه لأنه هو أحبنا أولا . وكل من يحب الله يبرهن على هذا الحب بحبه للآخرين . المسيحية ديانة المحبة , المحبة لا تسقط ابدا . هل يمكن أن تنسخ المحبة , هل يمكن أن يحل شيء محل المحبة , افتح قلبك لله .. للخير .. للحق .. اطلب من الله ان يرشدك للحق
من الصعب هضم هذا القول
قال : أنَّ الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية والتي يتكوَّن منها الكتاب المقدس و التي يعترف بها القرآن الكريم باعتبارها التوراة والإنجيل أي العهد القديم والعهد الجديد. مختلفان تماماً عما هو موجود اليوم , بعكس القرآن الكريم حيث إنّ الله حفظه تماماً وحماه من كل عبث بشري لمدة أربعة عشر قرناً .
قلت : هذه المحاولة للأساءه الي الكتاب المقدس مرفوضه تماما , حتى إذا كانت هذه الفكرة منتشرة في العالم الإسلامي فليس هناك أي برهان من أي نوع يمكن أن يؤيّدها. ولم يرد في التاريخ في أي زمان ما ينادي بذلك . بل ان القرآن نفسه لم يفرّق بين هذه الكتب التي بين ايدينا و بين كتب اليهود والمسيحيين المقدسة في الماضي , بل على العكس من ذلك يقرر بوضوح أنها هي الكتب التي يتمسَّك بها اليهود والمسيحيون باعتبارها كلمة الله.
اما القول بإنّ الله حفظ القرآن تماماً وحماه من كل عبث بشري لمدة أربعة عشر قرناً فنقول عنه انه كلام عجيب , و كم هو غريب أنّ نفس هذا الإله لم يحفظ ولو نسخة واحدة من التوراة والإنجيل , فكيف نصدّق أنَّ مالك الملك يحفظ القرآن ولا يحفظ ما نزَّل من قبله؟ إنَّ هذا التناقض لا يمكن قبوله أو تصديقه أساساً, لأنّ الحاكم الأزلي لهذا الكون لا بد وأن يتصرّف في جميع الأزمنة بغير تغيير أو تبديل, ودون تضارب. ولا يمكن لأحد أن يتوقع منا أن نؤمن أنَّ الله , وبطريقة معجزية, حفظ أحد الكتب تماماً بدون أي تغيير ولعدة قرون , ورغم هذا لم يحتفظ ولو بنسخة واحدة من التوراة والإنجيل! إنّه لمن الصعب هضم هذا القول!
ومهما كان من أمرٍ فإنَّ القرآن نفسه - وبصورة لا غموض فيها - يؤكد أنَّ توراة اليهود كانت معتبرة وصحيحة في أيام محمد, وأنَّ الإنجيل كذلك هو الذي كان لدى المسيحيين في ذلك الوقت. ولم يقرّ اليهود والمسيحيون في أي وقت عبر التاريخ بأي كتب على أنها كلمة الله المقدسة بخلاف تلك المعروفة عندنا اليوم. ومن النصوص القرآنية التي تثبت ذلك: "وَكَيْفَ يَحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ؟" سورة المائدة 5:43. " وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ" سورة المائدة 5:47.
من المستحيل أن نفكر كيف كان للمسيحيين في وقت محمد أن يحكموا بالإنجيل إذا لم يكن لديهم هذا الإنجيل! وفي سورة الأعراف 7:157 يقرّ القرآن الكريم مرة أخرى أنّ التوراة والإنجيل كانا في حوزة اليهود والمسيحيين في زمان محمد, وأنها نفس الكتب التي قبلوها باعتبارها التوراة والإنجيل. ولا يمكن لأحد أن يقول إنّ هذين الكتابين هما بخلاف كتب العهدين القديم والجديد كما يحتويهما الكتاب المقدس في يومنا هذا. علاوة على ذلك نلاحظ أنَّ مفسرين معروفين ومنهم البيضاوي والزمخشري يقرون علناً أنَّ كلمة "الإنجيل" ليست عربية أصلاً , ولكنها مأخوذة من الكلمة اليونانية التي كان المسيحيون أنفسُهم يستخدمونها لوصف البشارة. ولقد حاول بعض علماء القرآن القدامى أن يجدوا أصلاً عربياً لهذه الكلمة, غير أنّ هذين المفسرين الخبيرين رفضا هذه النظرية بازدراء. وهذا يؤكد أنَّ الإنجيل لم يكن طيفاً أو خيالاً كُشف عنه هكذا للمسيح ثم اختفى كل أثر له على نحو غريب, ولكنه العهد الجديد الذي نعرفه اليوم تماماً. ونفس الشيء يمكن أن يُقال عن "التوراة" فهي كلمة ذات أصل عبري, وهي الاسم الذي أعطاه اليهود أنفُسهم دواماً لكتب العهد القديم كما هي معروفة لنا اليوم. و المخطوطات القديمه للكتاب المقدس و التي ترجع لما قبل ظهور الأسلام تؤكد ان الكتاب المقدس الذي بين ايدينا هو نفسه الذي كان وقت ظهور الأسلام و وقت مجيء السيد المسيح
وهكذا فإنّ القرآن - وبدون أي تحفُّظ - يقرّ أنَّ الكتاب المقدس نفسه هو كلمة الله بالحقيقة. و انت تعرف هذا كحقيقة, ولكنك تحاول أن تراوغ وتحتال مدَّعياً أنّ هناك " نصوصاً" متعددة للكتاب المقدس متداولة في يومنا هذا. وفي هذا سوء توضيح ماكر للحق. فانت تهمل أن توضح أنّك تشير إلى " ترجمات" إنجليزية مختلفة للكتاب المقدس منتشرة بكثرة في أنحاء العالم اليوم.
ترجمات و ليست نصوصا
قال : بالفعل أنا اقصد أن اتكلم عن الترجمة المعروفة بترجمة الملك جيمس KJV والترجمة المنقّحة RV والترجمة المنقحة الأخرى المعروفة باسم RSV
قلت : كان يتحتم عليك- بما تفرضه الأمانة - أن توضح أنَّ هذه ليست نصوصاً مختلفة للكتاب المقدس, لكنها ترجمات مختلفة للكتاب المقدس إلى اللغة الإنجليزية, وهذه الترجمات الثلاث مأخوذة من النصوص الأصلية العبرية واليونانية للعهدين القديم والجديد, والتي حفظتها الكنيسة المسيحية سليمة منذ أجيال عديدة قبل الزمان الذي عاش فيه محمد, وسوف نتأمل الفروق بينها. على أنّه من المفيد أن نشير هنا إلى الحماس الصاخب الذي دبَّ بين قادة المسلمين في جنوب إفريقيا في سنة 1978 حول توزيع ترجمة إنجليزية للقرآن لمحمد أسد هناك أيضاً العديد من الترجمات المختلفة للقرآن إلى اللغة الإنجليزية, كما هو الحال في وجود ترجمات مختلفة للكتاب المقدس. لكنّ النص الأصلي العربي القديم واحد, ولا نصَّ آخر سواه.
لقد كان ردّ الفعل ضد ترجمة "أسد" للقرآن عنيفاً حتى أنّ المجلس الإسلامي في جنوب إفريقيا, وفي تصريح علني, حضَّ على عدم توزيع هذا الكتاب بين المسلمين في جنوب إفريقيا. ولم يتعامل أحد مع أي ترجمة للكتاب المقدس في اللغة الإنجليزية بمثل هذا العنف في أي وقت من الأوقات. لذلك فإنّه يجب علي الكتاب الذين يكتبون عن الأديان ان يقولوا الحقائق , حتي لا ينخدع القراء َ بما يقرأونه من أنّ هناك نصوصاً مختلفة للكتاب المقدس, وعليهم أن يدركوا أنّ المؤلفين يضعون غشاوة على أعينهم حين يخدعونهم بقولهم إنَّ الكنيسة المسيحية لديها أكثر من كتاب مقدس واحد!, نعم هناك قراءات مختلفة للكتاب المقدس, ويمكننا بثقة أن نؤكد أنَّ الكتاب المقدس بشكل عام سليم ولم يحدث به أي تغيير بأي طريقة.أن الترجمات ضروريه خاصه و أن كثير من الألفاظ مع مرور الأيام تصبح ثقيله و غير متداوله , و بالتالي فأن وجود الفاظ اكثر سهوله و تداولا و لا يغير المعني هو شيء جيد و مطلوب . |