|
لقاء الأحد :: الموت و الحياه في يد اللسان
اللسان هو الذي يعلن عما في القلب و العقل و إذا لم يكن مهذباً و مؤدبا فإنه يبدد ما في النفس من حكم و أسرار ، و يسبب المشاكل الكثيرة التي تدعو إلي الفرقة و الخصام و المحاكمات و أحياناً كثيرة إلي جرائم القتل والتخريب ، و لذلك يقول الرسول يعقوب : " ان كان أحد لا يعثر في الكلام فذاك رجل كامل قادر ان يلجم كل الجسد أيضاً . هوذا الخيل نضع اللجم في أفواهها لكي تطيعنا فندير جسمها كله . هوذا السفن أيضاً و هي عظيمة بهذا المقدار و تسوقها رياح عاصفة تديرها دفة صغيرة جداً إلي حيثما شاء قصد المدبر . هكذا اللسان أيضاً هو عضو صغير و يفتخر متعظماً . هو ذا نار قليلة أي وقود تحرق . فاللسان نار عالم الأثم ، هكذا جعل في أعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله ، ويضرم دائرة الكون و يضرم من جهنم ، لأن كل طبع للوحوش و الطيور و الزحافات والبحريات يذلل ، و قد تذلل للطبع البشري ، و أما اللسان فلا يستطيع أحد من الناس أن يذلله وهو شر لا يضبط مملوء سماً مميتاً. به نبارك الله الآب و به نلعن الناس الذي قد تكونوا علي شبه الله .
قال الأنبا أرسانيوس : " كثيراً ما تكلمت و ندمت و لكن عن السكوت قط ما ندمت " . و قال الشيخ الروحاني : " إن كان لسانك متعوداً علي كثرة الكلام فقلبك منطفئ من بركات الروح المنيرة " . فإذا كانت كثرة الكلام تحرم الإنسان من بركات روح الله ، فكم بالأحرى الكلام المؤذي الضار كالشتيمة و النميمة و الوشاية و الكلام القبيح و كلام الدنس و الحلف و اللعن والتجديف ... الخ .. كم يضر هذا الكلام قائله. و السيد المسيح له المجد قال : " كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً في يوم الدين " ، لذا كان من أخطر الأمور صون اللسان و تصويمه بقوة و شدة حتى يكون القلب طاهراً و العقل صاحياً واعياً و الحياة كلها في سلام و محبة مع الجميع .
ــ قيل أن سيداً أرسل عبده ليشتري له أحسن ما في السوق فأشترى له قلباً و لساناً لحيوان ما، ثم أرسله ثانياً ليشتري له أردأ ما يجد أمامه ، فأشترى له قلباً و لساناً كذلك ، فتعجب سيده و سأله عن غرضه من ذلك فقال له الخادم : " إن اللسان و القلب إذا أصلحهما الإنسان صارا أحسن ما في الخليقة ، وبالعكس إذا ما أفسدهما صار أفسد ما فيها " ولذا قيل " المرء بأصغريه قلبه ولسانه " فما أجمل القلب و اللسان الصائمان عن الخطية . وإذا استعبدنا ألسنتنا وحكمنا عليها وضبطناها دفعنا عن أنفسنا شروراً كثيرة ، وجلبنا إليها الخير ، و بالعكس إذا سلمنا قيادتنا للسان لا نستطيع أن نأمن غوائه ، فكلمة واحدة يلفظها اللسان قد تشقى صاحبها ، وكلمة واحدة قد تسعده ، بكلمة واحدة يحيا الإنسان ، وبكلمة واحدة يموت كما يقول السيد المسيح له المجد" بكلامك تتبرر وبكلامك تدان "(مت12: 27).
ــ قديما كان الذين يكتبون أسم الله الجليل يخصصون له قلماً مقدساً ، وهكذا يجب على كل مؤمن يلفظ باسمه القدوس في صلواته أو عبادته أن يخصص له لسانه ولا ينطق به كلمة رديئة ، وإذا كنا لا نستطيع أن نهتف للملك أو للحاكم ولأعدائه باللسان الواحد وفي الوقت الواحد ، فمن المعقول أيضاً أنه لا يمكننا أن نهتف باسم الله واسم الشيطان ، وننطق بعبارات ترضي الله وبعبارات ترضي إبليس ، ولذلك يجب على المؤمن أن يصوم لسانه عن الشر . إذا رغبت أن تحكم على إنسان لتعرف إن كان صالحاً أو شريراً يمكنك أن تحكم عليه من أقواله "الإنسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يخرج الصالحات والإنسان الشرير من الكنز الشرير يخرج الشرور"(مت 12: 35 ) . فإذا أردت أن تظهر للناس نقاء قلبك و صفاء عقلك وسعة حكمتك وفهمك فعليك أن تنطق أمامهم بما هو صالح ونافع لأنه من فضلة القلب يتكلم الفم " ( مت 12 : 34 ) . وكما أن الثوب يكشف عما تحته ، والشجرة تخرج أثماراً من جنسها هكذا كلام الناس يكشف بواطنهم وأخلاقهم وصفاتهم " من ثمارهم تعرفونهم " ( مت 7 : 16 ) فلا تقل إني صائم صوماً حقيقياً ولسانك غير صائم .
والمؤمن يجب أن يكون ممتازاً عن أهل العالم في الكلام وفي كل شئ . فالذي يشترك مع الناس في إلقاء الكلمات جزافاً دون أن يمتحنها ويزنها لا يعد مؤمنا . لأن القديس بولس الرسول يوصي تيمثاؤس تلميذه قائلاً " كن قدوة للمؤمنين في الكلام وفي التصرف وفي المحبة في الروح في الإيمان في الطهارة " ( 1 تي 4 : 12 ) . وها هو القديس بطرس الرسول لما ظهر أمام اليهود خاطبته الجارية قائلة " أنت أيضاً منهم فلغتك تظهرك " ( مت 26 : 73 ) . والحقيقة أن كل إنسان يعرف بلغته ولسانه .. هل كلامنا يظهر للناس أننا مؤمنون أم لا ؟! وهل لساننا ممتاز عن ألسنة أهل العالم ؟! وهل كل من سمع كلامنا – حتى وان لم يكن يعرفنا – يحكم بأيماننا أم لا ؟
الموت و الحياة في يد اللسان ( أم 18 : 21 ) :
يقوم اللسان بوظيفتي التذوق و النطق . و اللسان الرديء كثيراً ما يستعبد صاحبه ويجلب عليه الشرور و الويلات في تأدية هاتين الوظيفتين . فقد يخضع المرء لحاسة ذوقه فيصير شهوانياً شرها لا يهمه إلا التلذذ بأنواع الطعام والشراب ، حتى يصبح سخرية بين الناس . على أن الله يعلم الشرهين و المغرمين بالمآكل و المشارب أن يقنعوا بكل ما تصل إليه أيديهم ويأكلون ما يقدم لهم . أما الخطر الأعظم الذي يجلبه علينا اللسان فيأتي عن النطق . و النطق هو ميزة جليلة يمتاز بها الإنسان عن الحيوان ، فيه يتباحث ويتفاهم فتسهل أمامه أمور الحياة ، وتمهد سبل الراحة و السعادة وقد كان الناس في يوم من الأيام يتكلمون بلغة واحدة ، ولكن لما كثرت خطاياهم بلبل الله ألسنتهم فأصبح لكل قبيلة لسانها ، ولكل أمه لغتها. ــ إن اللسان هيئ لقضاء المصالح وإسعاد الحياة ، ولكن الإنسان طالما يخطئ التصرف فعوض أن يجعل لسانه وسيلة إسعاده وهنائه يجعله وسيلة لتعاسته وشقائه . فالأنسان يستطيع أن يجعل لسانه ينبوعاً عذباً يخرج الماء الحلو ، ولا ينطق إلا بالصالحات ، أو يجعله ينبوعاً مالحاً لا يخرج إلا المرارة ولا يتكلم إلا بما هو معوج و رديء وقبيح . وليس من المعقول أن يحاول المرء في جعل لسانه الواحد ينطق بالكلام الحسن و الرديء كما يقول الرسول نفسه " ألعل ينبوعاً ينبع من نفس عين واحدة العذب و المر . هل تقدر يا أخوتي تينة أن تصنع زيتوناً أو كرمة تيناً ؟ ولا كذلك ينبوع يصنع ماء مالحاً وعذباً " ( يع 3 : 11 – 12 ) .. إن الكثيرين من الذين يصلون ويتكلمون بالأمور الدينية لا يستنكفون من النطق بالأمور البطالة أيضاً . فبينما تراهم في أوقات العبادة يصلون مع المصلين ويقرأون مع القارئين تسمعهم ايضا يمزحون ويشتمون ويحلفون ويجدفون . فما أتعس صاحب اللسان الدنس لأن صلاته وكل عباداته لا يقبلها الله ، بل يعتبرها إهانة لأسمه القدوس كما يقول الكتاب " ذبيحة الأشرار مكرهة للرب " ( أم 15 : 8 ) ، وكما يقول أيضاً " إن كان أحد فيكم يظن أنه دين وهو ليس يلجم لسانه فديانة هذا باطلة " ( يع 1 : 26 ) ... احفظ لسانك وأجعله صائماً وقل دائما للرب " ضع يا رب حارساً على فمي " فلا تكن صائماً عن اللحم وأنت تأكل لحوم البشر بلسانك . |