|
نقلاً عن جريدة المصرى اليوم
بتاريخ 07/01/2010
كان يُعرف لدينا
نحن سكان القاهرة القديمة بمار
جرجس، عندئد تبرز عدة معان
تتوالى، البعد السحيق،
الهامش، الغموض، الزمن المغاير.
لا تُعرف الأماكن إلا بمعرفة
أزمنتها،
ما توالى عليها عقب حقب الحياة،
هكذا نمت معرفتى بالمكان منذ أن
جئته أول مرة فى
الستينيات، عندما بلغته وقتئذ
أيقنت أننى بعيد، بعيد جداً، أننى
منتقل إلى زمن
مغاير، مختلف عن اليومى الذى أعيشه رغم قرب المسافة، تقع مار جرجس
فيما يلى المدبح
ومنطقة المدابغ ومصر القديمة أو
«العتيقة» كما تُعرف بين الناس،
كانت المنطقة وقتئذ
على هامش المدينة، لم تكن الوصلة
بين كورنيش النيل وطريق صلاح سالم
قد تمت بعد،
كانت المنطقة عامرة بالفواخير، أى
نفس
النشاط الموجود منذ العصور
الفرعونية المتأخرة، وربما
القديمة أيضاً، تُعرف حتى
الآن بالجيارة، نسبة إلى الأماكن
التى يعد فيها الجير اللازم
للمعمار وشؤون أخرى،
ثمة مدينة قديمة لاتزال قائمة، منكفئة، منطوية على نفسها، حتى بعد
انفتاح الطرق
صوبها وتوافد السياح بكثافة فإنهم
لم ينجحوا فى فض عزلتها وتحوطها،
مدينة يبدأ
دخولها بنزول عدة سلالم مفضية إلى
بوابة عتيقة لا تسمح إلا بمرور ما
لا يزيد على
قامة رجل متوسط الطول، الباب مازال موجوداً، بمجرد عبوره لا تلج
مكاناً بل تدخل
زمناً قائماً بذاته، يخيل إلىّ أن
ملامح البيوت والبشر لم تتغير منذ
العصور
المسيحية الأولى، أتمهل، أتأمل
واجهات البيوت التى لا يزيد
ارتفاعها على طابقين،
تفضى سلسلة الأزقة إلى المعبد اليهودى «بن عزرا» أحد أقدم المعابد فى
العالم،
تقول الأساطير أن الصندوق الذى
ألقى فى
اليم حاملاً الطفل موسى رسا عند
هذه النقطة ومنه التقط، النيل كان
يمر من هنا،
وعندما جاء عمرو بن العاص كان
المسجد يطل مباشرة على النهر قبل
أن يتحرك المجرى إلى
الغرب حيث يجرى الآن على بعد حوالى نصف كيلومتر من مجراه الأصلى، كان
حصن بابليون
الرومانى الذى قام على أنقاض معبد
فرعونى قديم يطل على النيل، لابد
من الحوار مع
النهر مصدر الحياة ومنبعها فى
مصر، كان له قدسية وتجلة قبل أن
يتدهور حال المصريين
ويقدمون على إهانته بصب المخلفات فيه بعد أن أمنوا خطورته، لا يوجد
مكان تتجاور فيه
الأزمنة مثل مار جرجس أو مصر
القديمة.
هنا معبد فرعونى، وأقدم كنائس فى
العالم
ومسجد عمرو بن العاص، عندما برزت
فكرة مجمع الأديان فى السبعينيات
دهشت، لأن مجمع
الأديان قائم بالفعل فى هذه المنطقة، ما من مكان يشعرنى بالزمن العتيق
مثل مار
جرجس، وميدان القلعة، والبر
الغربى فى الأقصر، أماكن
استثنائية خارج الإطار، هنا
الحجارة حقب زمنية، مراحل من
الوقت تشكل العمارة، أقطع المسافة
من مسجد عمرو بن
العاص إلى الكنيسة المعلقة متمهلاً فكأننى أرحل من عصر إلى عصر. هنا
تتجاور الأزمنة
ولا تتوالى.
هنا كان حصن بابليون، يتكون من
اثنى عشر
برجاً أسطوانياً، كلها تمتد على
ضفة النيل الشرقية، أحاول تخيل
الجانب الآخر، كانت
الحقول الخضراء تمتد حتى هضبة الهرم، هكذا كان الحال حتى نهاية
الستينيات قبل
ارتفاع المبانى العشوائية التى
التهمت الزرع والفراغ، ووصل الأمر
إلى حجب الأعجوبة
الوحيدة المتبقية من أعاجيب
العالم القديم، الآن يقف الإنسان
على بعد مائة متر من
الهرم فلا يراه.
تُرى، كيف كان المشهد يبدو على
الضفة
الشرقية للنهر؟، لابد أن أبراج
الحصن أو أسوار المعبد القديم
كانت تبث المهابة، إنه
المركز، حيث قامت عاصمة منف فى الدولة القديمة، لذلك حرص أتباع كل دين
جديد أن
يكونوا هنا، هكذا يتجاور رأسياً
المعبد الفرعونى والحصن الرومانى
والمعبد اليهودى
والكنيسة القبطية المصرية، أى
مكان فى العالم تتجاور فيه هذه
الرموز وتلك الدلالات
مثل مارجرجس؟
فوق أحد الحصون الاثنى عشر تقوم
الكنيسة
المعلقة، من هنا جاء اسمها، إنها
مشيدة من الخشب فوق هذا الفراغ
الأسطوانى، من موضع
معين تحت الكنيسة مباشرة كان باستطاعتى رؤية أصداء الزجاج الملون
البديع فى السقف
والجدران.
كنيسة مبنية على الفراغ
تبحر نحو السماء، نحو الأعالى،
نحو الله
سبحانه وتعالى..
لم أعرف مكاناً زاخراً بالرموز
مثل هذا
البناء، ها أنذا أقترب من مدخلها
قادماً من الشمال حيث مسجد عمرو
بن العاص، أتذكر
المقريزى الذى وصف تمثالا قريناً لأبى الهول، كان موضعه فى مكان ما
هنا، يقول إنه
لو مد خيط بين أبى الهول الجيزة
وقرينه هذا على الضفة الشرقية،
القرين اختفى مع
الزمن، لكنه كان موجوداً إلى زمن
المقريزى، أى إلى القرن التاسع
الهجرى، الخامس عشر
الميلادى، ها هو المدخل، الباب مفتوح، جميع أبواب الكنائس مثل المساجد
مفتوحة تتضمن
دعوة للدخول الآمن، لن أتوقف عند
الحراسة المشددة فى المنطقة، هذا
وضع استثنائى لم
يكن ولن يدوم، نقوش المدخل
الغائرة فى الحجر من وحدات
مستخدمة فى زخرفة المساجد، لو
استبعدنا الصليب البادى بين النقوش فلن نلحظ فرقاً يمكن التوقف عنده.
ألمح القس مرقس عزيز خليل راعى
الكنيسة-
الآن فى الولايات المتحدة- أقبل
عليه ويقبل علىّ، عبر مرات ترددى
وتأملى خلال سنوات
طويلة نمت صلة بيننا واتصلت مودة.
يؤكد لى بثقة أنها أقدم كنيسة فى
العالم
بالتحديد، لأنها أقدم مكان عبادة،
إذ أنها تقوم فوق أطلال معبد مصرى
قديم، وحصن
رومانى كانت تمارس فيه الشعائر،
المبنى متصل من أسفل إلى أعلى، مع
اجتياز المدخل
يمتد فناء مستطيل تتوسطه حديقة أبرز ما فيها نخلتان، تقول كتب التاريخ
إنهما من
سلالة نخلة أكل منها السيد المسيح
وأمه العذراء مريم، عندما جاءت
العائلة المقدسة
إلى مصر، نزلت العائلة المقدسة فى
هذا المكان وآوت إلى كهف مازال
موجوداً فى كنيسة
القديسة بربارة داخل الحى المنطوى على نفسه والذى سنقصده بعد زيارتنا
تلك، المكان
يفيض بالسلام والبهجة، خاصة أيام
الأحاد، الأطفال فى كل مكان،
والمشاركون فى
الأنشطة المختلفة ومنها تلقى
التعاليم الخاصة بالتراتيل
القبطية الجميلة والتى تؤدى
خلال الصلوات، تقوم الكنيسة المصرية بالحفاظ على الموسيقى المصرية
والأنغام
المتوارثة،
وخلال زياراتى للكنائس فى بر مصر،
سواء
الصعيد أو الوجه البحرى أو
الصحارى، أصغيت إلى أصوات بديعة
لو أنها خرجت إلى الناس
لصارت ضجة ولجرى ثراء فنى غزير من
مواهب هذا الوطن. يوجد الآن جهد
منظم يقوم به
صديقى الفنان جورج كيرلس، الذى يجمع الأنغام القبطية ويقدمها مع فرقته
ومن بينهم
ابنته رائعة الصوت، عندما أصغى
إلى الألحان القبطية أكاد أرى
فيها نفس الأنغام
والتراتيل التى نسمعها عبر مدرسة
الإنشاد الصوفية المصرية، لا عجب
فالمنبع واحد،
فلنصغ إلى القس مرقس عزيز.
يقول الأب مرقس إن حصن بابليون
كان ساحة
كبيرة، أقيمت الكنيسة فوق أسطوانة
حجرية كانت تشكل أحد أجزاء الحصن،
من الأرض إلى
المبنى الخشبى ثلاثة عشر متراً من
الفراغ التام.
أسأله عما إذا كان ثمة رمزية فى
بناء
الكنيسة على فراغ؟ على هيئة سفينة
نوح؟.. يقول إن الرمزية موجودة فى
كل شىء فى كل
تفصيله فى البناء.
يشير إلى الزخارف التى تغطى
المذبح،
يقول إننا لو نظرنا إلى الصليب
القبطى نلاحظ الإشارة إلى
الثالوث. عقل/روح/جسد، هذا
لا يعنى أننا نشير إلى ثلاثة أفراد، الثلاثة فى جمال، فيك نفس وجسد
وروح، هذا لا
يعنى أنك ثلاثة، إذا تكرر رقم
ثلاثة أربع مرات فهذا يعنى اثنى
عشر، إنهم عدد تلاميذ
السيد المسيح، هذه الأسهم الأربعة يشبه كل منها السمكة، أربع سمكات.
كل منها تشير
إلى أحد الأناجيل الأربعة، إنجيل
متى، إنجيل مرقص، إنجيل لوقا،
إنجيل يوحنا، كل
منهم كتب الإنجيل وعرف به،
الثالوث يرمز إلى العقل والروح
والجسد.
يؤكد الأب مرقس مرة أخرى أن
الثلاثة فى
واحد.
يشير إلى صحن الكنيسة، يمكن لأى
إنسان
الدخول، ولكن عند المذبح لابد من
خلع الحذاء، هنا المسموح لهم فقط
الكهنة
والشمامسة.
عند الجدار الخشبى الفاصل
والمزخرف
بوحدات كلها مستخدمة فى فن
الزخرفة العربى الإسلامى، غير أن
التفسير هنا
يختلف.
أرى نجمة خماسية، وأخرى
سداسية.
يقول الأب مرقس إن السداسية تتكون
من
هرمين متداخلين، يعنى عند رسمها
لابد أن أرفع يدى للانتقال من
مثلث إلى مثلث،
الخماسية لا ترتفع اليد من السطح
الذى أرسم عليه، الخط متصل،
النجمة تتم، تنغلق
بدون رفع يدى، بداخل النجمة فى مركزها تماماً شكل العين، إنها رمز
لعين الله التى
ترعى جميع المخلوقات.
هنا أتذكر عين واجت المصرية
القديمة رمز
الحماية، رمز اتصال المتوفى بعالم
الأحياء، ومنها جاءت عبارة (العين
عليها حارس)،
تتكون عين واجت من تسعة أجزاء، إنها رمز لعدد القطع التى تمزقت إليها
عين «حورس»
الابن فى صراعه مع رمز الشر «ست» ولكن الأم إيزيس لملمت القطع
المتناثرة وصاغت منها
هذه العين، للعين فى جميع
الأديان، وفى المعتقد الشعبى
منزلة كبرى.
الأب مرقس لا ينفى الأصول المصرية
القديمة للفن القبطى، الرجل يطرح
مفهوماً رائعاً، لا يوجد فن
فرعونى وقبطى وإسلامى،
يوجد فن مصرى فى العصر القديم، فن
قبطى مصرى، وبعده فن إسلامى مصرى،
أى أنه يطرح
مفهوماً شاملاً يجسد الوحدة فى إطار التنوع وهذا ما عبرت عنه مفصلاً
فى كتابى «نزول
النقطة».
أشير إلى وحدة زخرفية مأخوذة من
شكل
خلية النحل، تتكرر عشر مرات، يقول
الأب مرقس إنها رمز للوصايا العشر.
أتوقف أمام دائرة من اثنتى عشرة
وحدة،
كل منها يشبه الشظية المثلثة، هذه
التركيبة نراها فى المساجد منقوشة
على الخشب
والجدران ونسميها فى الزخرفة الإسلامية الطبق النجمى، تتكون من اثنتى
عشرة أو أربع
وعشرين وحدة، هنا يقول الأب مرقس
إن هذا الشكل يُعرف فى الفن
القبطى بالصليب
الدائرى، إذ نرى داخله صليباً
متحركاً مع البصر، يمكن مطالعته
من كل جهة لو بدأت من
أى وحدة، سألته عما إذا كان الرقم واحد يشير إلى الإله الواحد؟
قال: تماماً.. ثم أكمل: الرقم
«اثنان»
يشير إلى مصالحة الأرضين
والسماءين، رقم ثلاثة يُشير إلى
الثالوث. الرقم أربعة،
يُشير إلى انتشار الدين المسيحى
فى الأربعة أركان الأساسية
للعالم، الرقم خمسة يعنى
تعامل الإنسان من خلال الحواس فى بحثه عن الصلة بالله، الرقم ستة
يُشير إلى خلق
العالم فى ستة أيام. رقم سبعة
يعنى الأسبوع، أى الكمال. الرقم
ثمانية يعنى الخليقة
الجديدة، التجدد.
مرة أخرى يؤكد الأب مرقس عزيز على
رمزية
الأشياء، وعلى وحدة الفن المصرى،
لو أن إنساناً مد الخطى فوق أرضية
الكنيسة سوف يهتز البناء كله،
وبرغم رهافة التركيب، والخشب الذى
يشكله ويقيم
الجدران، فإن شعوراً بمتانته لا
يفارقنى، ثمة فتحة فى الأرضية
مغطاة بزجاج، تذكرنا
بالمكان الذى نقف فيه، بالهِوْ الذى يمتد تحتنا، بوجودنا المؤقت فى
الحياة الدنيا،
ما وراءنا فراغ وما فوقنا طريق
ممتد لا تدركه الأبصار إلى الله
سبحانه
وتعالى.
لكم حيرنى السقف المشيد على هيئة
قارب،
سفينة نوح، كأن رحلة السفينة لم
تنته بعد، أليست الحياة رحلة،
أليست إبحاراً
مستمراً إلى العُلا، ما من مرة
جئت فيها إلى الكنيسة إلا وجلست
فوق إحدى الدكك
العرضية ورفعت رأسى إلى أعلى متأملاً ومستغرقاً، تأخذنى رمزية
الإبحار، القارب أداة
أياً كان حجمه، يتسع لفرد واحد أو
سفينة كبرى، إنه العبور من لحظة
إلى أخرى، من
موضع إلى موضع، من الضفة الشرقية
للنهر إلى الغربية، فى الشرق
الميلاد والحياة
والسعى، وفى الغرب الأبدية والرقدة الأبدية والسكينة.
كنيسة على فراغ، معلقة كالأمانى،
شرفة
كالتأهب، كيان من الضوء والألوان
والسحر، مصدره دقائق ورقائق لها
تفاصيل
وشروح. |